"نداء الأمل" .( نداء إلى كل من يهمه أمر إصلاح حقيقي للتعليم )
د. محمد الدريج
مقدمة:
كل دخول مدرسي هو موعد جديد مع الأمل، لكنه أيضًا موعد جديد مع الخيبة. نحن، الآباء والأمهات والفاعلين التربويين وعموم المهتمين بمصير مدرستنا العمومية، لا ينبغي لنا مبدئيا، كتابة نداء من موقع المتفرج، بل من موقع من أنهكه الانتظار وأتعبه تكرار الوعود.
لذا نتقدم بهذا النداء لأننا نرفض أن يتحول الدخول المدرسي، سنة بعد أخرى، إلى طقس إداري باهت يُختزل في أرقام وتصريحات، بينما يبقى الطفل المغربي، في القسم الحقيقي، وحيدًا أمام أقسام مكتظة ومدرّسين منهكين وبنيات تحتية متهالكة وبرامج وطرائق متجاوزة.
لقد عرف الموسم الدراسي 2025-2026 التحاق ما يقارب 8.271.256 تلميذة وتلميذ بمختلف الأسلاك التعليمية، من بينهم أزيد من 7.004.533 بالتعليم العمومي، يؤطرهم نحو 299.129 مدرس، موزعين على أكثر من 12.400 مؤسسة تعليمية، من بينها قرابة 6.886 مؤسسة بالوسط القروي. كما استقبل التعليم الأولي حوالي 985.375 من الأطفال، بزيادة 4.5% مقارنة بالموسم السابق، منهم 663 ألف بالتعليم الأولي العمومي، فيما التحق حوالي 730 ألف تلميذ جديد بالسنة الأولى ابتدائي. أرقام ضخمة، نعم، لكنها تبقى مجرد أرقام إن لم تتحول إلى فصول مؤهَّلة ومدرسين كافين ومتمكنين وبرامج ملائمة وأطفال يتعلمون بكرامة.
كما خصص مشروع قانون المالية لسنة 2026 لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ميزانية غير مسبوقة تناهز 97 مليار درهم، بزيادة تفوق 13% مقارنة بالسنة السابقة. مبلغ ضخم بكل المقاييس، لكن السؤال الذي يؤرقنا ليس فقط "كم أنفقنا؟" بل "أين ذهبت الأموال، ولماذا على سبيل المثال، لا تزال الكثير من المدارس القروية تفتقر إلى الماء والكهرباء والمرافق الصحية اللائقة، ولماذا لا يزال آلاف الأطفال يقطعون كيلومترات على الأقدام أو في وسائل نقل غير آمنة؟" فحين تتضخم الميزانيات ويبقى الواقع على حاله، يصبح من حقنا أن نتساءل بصوت عالٍ عن مصير هذه الاعتمادات.
لقد كشفت نتائج الدورة الجديدة من برنامج التقييم الدولي للتلاميذ (PISA 2025) تراجعا مقلقا في مستوى التعلمات الأساسية بالمغرب، حيث لم يتجاوز متوسط أداء التلاميذ المغاربة البالغين من العمر 15 سنة 321 نقطة في مجال فهم النصوص والقراءة، ليحتل المغرب المرتبة 86 من أصل 89 دولة مشاركة، مسجلا تراجعا بـ18 نقطة مقارنة بنتائج دورة 2022 التي كانت في حدود 339 نقطة. وفي المادتين الأخريين، حصل التلاميذ المغاربة على 358 نقطة في العلوم و355 نقطة في الرياضيات. والأخطر من ذلك أن 73.2% من التلاميذ المغاربة يوجدون دون المستوى الثاني في المجالات الثلاثة مجتمعة (القراءة والرياضيات والعلوم)، وهو المستوى الذي يعتبره الخبراء الحد الأدنى من الكفايات الأساسية اللازمة للاستمرار في التعلم والاندماج في سوق الشغل والمجتمع.
إن إصلاح التعليم ليس مشروعًا حسابيًا يُقاس بالمليارات، بل قضية إنسانية متشابكة ومركبة، ترتبط بالمناهج والطرائق والتشريعات والبنيات التحتية وتكوين الأطر والحكامة والوضعية الاجتماعية للأسر، في آنٍ واحد. وكل تأخر في حلقة من حلقات هذه المنظومة، سواء كان نقصًا في الأطر أو ضعفًا في البنية التحتية أو غيابًا للدعم النفسي والاجتماعي أو تعثرًا في التكوين المستمر...، ينعكس سلبًا على باقي الحلقات، ويُدفع ثمنه في النهاية من رصيد أبنائنا ومستقبلهم.
ونجاعة ذلك الاستثمار المالي الضخم، رهينة بحكامة حقيقية لا شعارات جوفاء، حكامة تقوم على الشفافية والتقييم الموضوعي والدوري للبرامج والمشاريع، وعلى ربط صارم للمسؤولية بالمحاسبة في مختلف مستويات التدبير، المركزية والجهوية والإقليمية والمحلية، بحيث يُسأل كل متدخل عن النتائج المحققة في نطاق مسؤوليته، ولا تبقى الإخفاقات بلا تفسير ولا الإنجازات بلا تثمين. فالوقت الذي نضيّعه في التبريرات و"العام زين"، هو وقت مقتطع من عمر جيل بأكمله لا يمكن استرجاعه.
من هذا المنطلق، وإيمانًا منا بأن نجاح الدخول المدرسي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والدولة، نرفع هذا الملتمس/النداء، لا بوصفه قائمة مطالب باردة، بل بوصفه صوت آلاف الأسر التي تنتظر مدرسة تليق بأبنائها، متضمنًا مجموعة من التوصيات الموجهة إلى الأسر من جهة، وإلى وزارة التربية الوطنية من جهة أخرى.
أولًا: توصيات موجهة إلى الأسر.
1. تعميم برامج التربية الوالدية بالمغرب.
في ظل تزايد مظاهر اللامبالاة وضعف بعض القدرات التربوية لدى الآباء والأمهات واللجوء إلى ظواهر غير تربوية مثل العنف وغيره من السلوكات المضطربة...، ندعو في هذه المبادرة إلى تعميم ما نسميه بـ"التربية الوالدية" (Parentalité) باعتبارها رافعة أساسية لحماية الطفل وتقوية الروابط الأسرية وتشجيعه على الاندماج الإيجابي في الحياة المدرسية. ويقتضي ذلك إدماج هذا المفهوم ضمن السياسات العمومية الموجهة للأسرة والطفولة، عبر برامج وطنية للتوعية والتكوين تستهدف الوالدين وتُبنى على مقاربات التربية الإيجابية القائمة على الحوار وفهم احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية بدل أساليب العنف والقسوة.
ولإنجاح تعميم التربية الوالدية، لا بد من تكوين الأطر التربوية والاجتماعية المعنية، من مرشدين ومربيات وعاملين اجتماعيين، على هذه المقاربات، وإشراك الجمعيات والفعاليات المدنية المحلية لتقريب هذه البرامج من الأسر، خاصة في المناطق النائية وبين الفئات الهشة التي لا تصلها غالباً برامج التوعية الرسمية. كما ينبغي إدماج محاور التربية الوالدية ضمن برامج التربية الأسرية في المدارس والمساجد ودور الشباب، باعتبارها فضاءات تربوية يومية قريبة من المواطنين.
ويُعد الإعلام العمومي شريكاً أساسياً في هذا الورش، من خلال بث حصص وبرامج توعوية دورية صحفية وإذاعية و تلفزية ورقمية عبر شبكات التواصل، حول التربية الوالدية الإيجابية، تصل إلى أوسع شريحة ممكنة من الأسر المغربية. وبالموازاة مع ذلك، تبقى الحاجة ملحة لمواكبة الأسر التي تعيش أوضاعاً صعبة، كالفقر أو الطلاق أو المرض أو إعاقة الطفل، ببرامج دعم نفسي واجتماعي مندمجة، تكفل استمرارية الأثر التربوي وتحمي الطفل من مخاطر البيئة الأسرية غير المستقرة.
إن تعميم التربية الوالدية، بهذا الشكل المتكامل، لن يقتصر أثره على محاربة الهدر المدرسي والوقاية من السلوكات المضطربة و العنف وسوء المعاملة داخل الأسرة، بل سيسهم في بناء جيل يتمتع بنمو نفسي واجتماعي سليم، وهو ما يستوجب تعبئة وطنية تشمل الدولة والمجتمع المدني والإعلام على حد سواء.
ولا يمكن أن تنجح التربية الوالدية، مهما بلغ حسن تنظيمها وتخطيطها، ما دامت نسبة مهمة من الآباء والأمهات تعاني من الأمية وتفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي بأبجديات التربية، وما دامت غالبية الأسر منشغلة بمواجهة الفقر ولقمة العيش قبل أن تتفرغ لجودة التنشئة التربوية لأبنائها. لذا فإن نجاح هذا الورش مشروط بمعالجة موازية وجادة لقضيتي محاربة الفقر ومحو الأمية بين الأسر، باعتبارهما شرطين بنيويين لا يمكن تجاوزهما، لا مجرد عاملين مصاحبين يمكن تأجيل النظر فيهما.
2.المتابعة الدراسية والتربوية المستمرة:
ندعو الأسر في إطار التربية الوالدية المستهدفة، إلى متابعة أبنائها يوميًا في تحصيلهم الدراسي وسلوكهم، والتواصل المنتظم مع الأساتذة وإدارة المؤسسة، لأن غياب هذه المتابعة غالبًا ما يكون سببًا مباشرًا في التعثر الدراسي والانقطاع عن الدراسة والعديد من السلوكات المنحرفة. فالطفل الذي يشعر بأن أحدًا لا يسأل عنه في البيت، سيتعلم بسرعة ألا يهتم أحد بمصيره في المدرسة وربما في المجتمع كذلك.
وتشجيع الأسر على الانضمام إلى جمعيات آباء وأولياء التلاميذ والمشاركة الفعلية، لا الشكلية، في اجتماعات المؤسسة، لأن التعاون بين البيت والمدرسة يشكل ركيزة أساسية لنجاح العملية التعليمية، ولأن الصمت أمام الاختلالات لا يخدم أبناءنا بشيء.
3. تهيئة بيئة أسرية داعمة نفسيًا:
الدخول المدرسي مرحلة انتقالية قد تحمل قلقًا للطفل، خاصة في المستويات الأولى أو عند تغيير المؤسسة. لذا من الضروري خلق جو أسري مطمئن يشجع الطفل ويمنحه الثقة بدل الضغط عليه بالنتائج فقط، فالطفل ليس رقمًا في كشف النقط، بل إنسان يحتاج أن يُرى قبل أن يُقيَّم.
مع ضرورة تنظيم وقت الطفل بين الدراسة والراحة وعدم الإفراط في استعمال الهواتف والشاشات والذي أصبح من أبرز معيقات التركيز الدراسي. و ندعو هنا، الأسر إلى وضع جدول متوازن يخصص وقتًا للمراجعة، ووقتًا للراحة والأنشطة الترفيهية والرياضية، فالتوازن هو الذي يصنع تلميذًا متيقظًا لا تلميذًا مرهقًا أو مشتتًا.
4. توفير اللوازم المدرسية دون إثقال كاهل الأسرة:
مع ارتفاع تكلفة الدخول المدرسي سنويًا حتى أصبح عبئًا حقيقيًا على ميزانية الأسر المغربية، ندعو إلى التزود باللوازم الأساسية فقط دون مجاراة مظاهر الاستهلاك المفرط، مع تحسيس الأبناء بأن قيمة التمدرس لا ترتبط بكثرة الأدوات بل بالجدية في التحصيل.
ولا بأس أن ننوه هنا بمشروع "مليون محفظة" وهو برنامج اجتماعي أطلقته الدولة بهدف دعم تمدرس الأطفال، خصوصًا المنحدرين من الأسر الفقيرة والهشة، وتقليل كلفة الدخول المدرسي على الأسر.مع ضرورة تعميمه، والعمل بالموازاة مع ذلك، على إعادة النظر في موضوع انتاج وتوزيع الكتب المدرسية والبرمجيات والاجهزة الالكترونية.
5. غرس القيم الأخلاقية وقيم المواطنة:
لا تقل هذه المسؤولية أهمية عن التحصيل الدراسي نفسه، فالأسرة هي المدرسة الأولى للقيم وللضمير الأخلاقي، قبل أن يطأ الطفل عتبة المدرسة. لذلك ندعو الأسر إلى تربية أبنائها على الصدق وإتقان العمل والاحترام والتسامح وحب الوطن والانتماء الإيجابي لمجتمعهم، بالقدوة الحسنة قبل الوعظ، لأن الطفل يتعلم القيم بالمعايشة أكثر مما يتعلمها بالكلام. وبالموازاة، نطالب المؤسسة التعليمية بألا تكتفي بتلقين المعارف، بل أن تجعل من التربية على المواطنة وحقوق الإنسان والانضباط والمسؤولية الجماعية جزءًا حيًا من يومياتها، لا مادة تُدرَّس وتُنسى، لأن مدرسة تُخرِّج متعلمين بلا قيم تُخرِّج أزمة مؤجلة، ولأن جيلًا متشبثًا بهويته وقيمه واعتزازه بوطنه، هو أفضل ضمانة لمستقبل أمتنا الإسلامازيغوعربية.
ثانيًا: توصيات موجهة إلى وزارة التربية الوطنية:
1. الاستقرار في السياسة التعليمية:
نطالب بالكف عن كثرة الإصلاحات المتسرعة وغير المدروسة التي تربك الفاعلين التربويين والتلاميذ على حد سواء، والحرص على تقييم أي إصلاح بشكل جدي وعلمي قبل تعميمه، فمدرستنا ليست حقل تجارب متكررة.
فمن أبرز العوامل التي أضعفت مسار إصلاح التعليم في المغرب عدم استقرار السياسات التربوية وضعف مبدأ التراكم والاستمرارية المؤسسية؛ إذ ظلت الإصلاحات، في كثير من الأحيان، مرتبطة بالتصورات والأولويات التي يحملها كل وزير، بحيث يؤدي انتقال المسؤولية الحكومية إلى إعادة ترتيب الأجندة الإصلاحية وإطلاق مشاريع وبرامج جديدة قبل استكمال تقويم البرامج السابقة وتقويم أثرها على أرض الواقع. ويبرز هذا الإشكال بوضوح، على سبيل المثال، في الانتقال من "الاستراتيجية الوطنية لإصلاح منظومة التربية والتكوين" وما أفضت إليه من اعتماد القانون-الإطار رقم 51.17، باعتباره إطارًا مرجعيًا وإجراء قانونيا ملزما، كان يفترض أن يضمن استمرارية الإصلاح وتكامله، إلى خارطة الطريق 2022–2026 وما رافقها من مشاريع جديدة، وفي مقدمتها تجربة مدارس الريادة. والمشكلة هنا ليست في مجرد تغيير البرامج أو تطويرها، فالإصلاح التربوي بطبيعته يحتاج إلى التجديد والتكيف، وإنما في أن الانتقال من إصلاح إلى آخر لا يسبقه تقويم مستقل وشامل يحدد بموضوعية ما الذي تحقق، وما الذي أخفق، وما الذي ينبغي الإبقاء عليه وتطويره أو التخلي عنه. وهكذا يتحول الإصلاح من مسار مؤسسي طويل النفس، يقوم على التراكم والتعلم من التجربة، إلى سلسلة من المبادرات المتعاقبة التي قد تبدأ من حيث انتهى السابق دون أن تبني عليه بالقدر الكافي. والحال أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يُدار بمنطق «بداية جديدة» مع كل قيادة جديدة؛ لأن المدرسة لا تعمل بمنطق الدورات الوزارية، وإنما بمنطق الأجيال والتراكم والزمن التربوي الطويل. لذلك فإن استدامة الإصلاح تقتضي بناء سياسة تربوية وطنية مستقرة، تتجاوز الأشخاص والحكومات وكذا الضغوطات الداخلية والخارجية، وتخضع كل مرحلة لتقويم علمي وشفاف قبل الانتقال إلى المرحلة الموالية، بما يجعل تغيير الوزير تغييرًا في أساليب التدبير لا تغييرًا في بوصلة الإصلاح وفلسفته.
كما أن استدامة الإصلاح لابد أن تكون مقرونة أصلا بتصورات وفلسفة تربوية تبنى على رؤية شمولية متكاملة، لا تختزله في تدابير تقنية أو تنظيمية أو إجراءات معزولة عن سياقه المجتمعي، كما هو الحال في "مدارس الريادة"، بل تُدرجه ضمن فلسفة تقدمية ديموقراطية شاملة، تؤمن بمبادئ الانفتاح والتطور المستمر والمناصفة بين الجنسين والمساواة وتكافؤ الفرص بين جميع الفئات والمناطق، مع التأكيد على أن نجاح هذا الإصلاح رهين بتوفر إرادة سياسية قوية وصادقة تتجاوز الخطاب إلى الفعل الملموس والمستدام.
2. سد الخصاص في الأطر التربوية وإصلاح منظومة التكوين:
لا يُعقل أن تظل العديد من المؤسسات، خاصة بالعالم القروي والمناطق النائية، تعاني من نقص حاد في المدرسين، بينما تتحدث التقارير الرسمية عن أرقام توظيف مرتفعة. لذلك نطالب بالتوظيف المحكم في إطار استراتيجية وطنية عادلة لتكوين وتوظيف الأطر وترسيمها في إطار الوظيفة العمومية، وبتوزيع عادل وشفاف للأطر التربوية يراعي الخصوصيات الجغرافية والتخصصات ومحاربة المحسوبية، حتى لا يبقى أبناء القرى والمدارس النائية في الهامش، رهائن الحظ أو "باك صحبي"، في توفير المدرسين.
ولتحقيق ذلك نطالب بوضع سياسة نزيهة واستراتيجية مندمجة لتكوين أطر التعليم ضمن نسق جامعي موحّد.
إن معالجة الخصاص لا تستقيم دون إصلاح منبع التكوين ذاته. فالمشهد الحالي يتوزّع بين المدارس العليا للأساتذة بصيغتيها القديمة والحديثة، والمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، وكلية علوم التربية وغيرها من المسالك، في تعدد وتشتت أفرز:
* حيفاً في فرص التوظيف والولوج، إذ تتفاوت حظوظ الخريجين في الإدماج تبعاً لمؤسسة التكوين لا لكفاءتهم الفعلية؛
* تكراراً في المسالك والبرامج وهدراً للموارد البشرية والمالية والبنيات التحتية، حيث تُدرَّس المضامين نفسها في مؤسسات متجاورة بمرجعيات مختلفة؛
* تبايناً في الشواهد والتصنيف الإداري بين خريجين يمارسون المهنة نفسها ويتحملون المسؤولية نفسها داخل القسم؛
* انفصالاً بين البحث التربوي والممارسة الميدانية، فتظل الجامعة منشغلة بالنظرية والمراكز بالتدريب دون جسور بينهما.
لذلك نطالب بإحداث منظومة جامعية موحّدة لتكوين أطر التربية والتكوين، تندمج ضمنها هذه المؤسسات في هندسة بيداغوجية واحدة ومندمجة.
3 ـ تحسين الأوضاع المادية والمعنوية لهيئة التدريس:
لا يمكن الحديث عن إصلاح تربوي دون اعتراف صريح بمجهودات المدرسات والمدرسين . فتحسين وضعيتهم المادية والاجتماعية، وردّ الاعتبار المهني لهم، وتجويد ظروف عملهم، وتمكينهم بيداغوجياً، وصون كرامتهم، شروطٌ أساسية لأي إصلاح حقيقي، وضمانةٌ للاستقرار والدافعية في أداء المهمة التربوية. "فمدرس منهك ومُحبَط لا يمكنه أن يمنح أبناءنا أفضل ما عنده."
4. تطوير التعليم الأولي وتعميمه ورفع الحيف عن العاملين فيه
إن الإنصاف في التعليم يبدأ من سنواته الأولى، فالتعليم الأولي ليس مرحلة تمهيدية ثانوية بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الكفايات اللغوية والمعرفية والاجتماعية للطفل وتكوين شخصيته السليمة، والمدخل الأنجع لمحاربة الهدر المدرسي والتعثر الدراسي لاحقاً. لذلك نطالب بتعميم فعلي وإلزامي لهذه المرحلة لفائدة جميع الأطفال في سن الرابعة والخامسة، بأجل زمني واضح وميزانية مرصودة، مع إعطاء الأولوية للعالم القروي والمناطق النائية والأحياء الهامشية، وضمان مجانية الخدمة داخل المدرسة العمومية وتأهيل فضاءاتها بما يليق بحاجات الطفل الصغير، وإعادة النظر في نموذج التدبير المفوَّض الذي كرّس هشاشة العاملات وتفاوت جودة الخدمة، توجهاً نحو إدماج التعليم الأولي في صلب المدرسة العمومية بوصفه مرحلة نظامية من التعليم الإلزامي. ولا يمكن إغفال أن القائمات على هذه المرحلة وخاصة في رياض الأطفال،يشتغلن في ظروف لا تتناسب البتة مع أهمية مهمتهن، بأجور زهيدة لا تبلغ أحياناً الحد الأدنى القانوني، وعقود موسمية غير مستقرة، وانقطاع عن الأجر خلال العطل، وضعف الحماية الاجتماعية والتقاعد؛ ومن ثمّ نطالب بوضع نظام أساسي وطني يحدد صفتهن المهنية وحقوقهن وواجباتهن، وبإقرار أجر عادل يُصرف بانتظام طيلة السنة، وبتعميم التغطية الصحية والحماية الاجتماعية والتقاعد، وبالإدماج التدريجي في الوظيفة العمومية أو في إطار نظامي مستقر يُنهي هشاشة العقود الموسمية، مع الاعتراف بالأقدمية والخبرة المهنية لمن راكمن سنوات العمل. ويكتمل ذلك بإدماج مسلك التعليم الأولي ضمن المنظومة الجامعية الموحدة لتكوين أطر التربية، وضمان تكوين مستمر ومرافقة تربوية ميدانية، واعتماد إطار مرجعي وطني للكفايات والمناهج يقوم على اللعب والاستكشاف والتنشئة الاجتماعية بعيداً عن التمدرس المبكر القسري وأساليب التلقين التي لا تناسب هذه السن. فلا يمكن أن نأتمن على السنوات المبكرة من حياة أطفالنا، مربيةً لا نأتمن نحن على أجرها ولا على كرامتها المهنية.
5. تحديث وتبسيط المناهج والمقررات الدراسية:
تعاني المناهج الحالية من تراكمات معرفية واكتظاظ وصعوبة لا تتناسب مع القدرات الاستيعابية للتلاميذ ولا تراعي دائما فروقهم الفردية في بعض المستويات وغير مندمجة مع السياقات المختلفة، وهو ما يحوّل التعلم إلى عبء بدل أن يكون متعة اكتشاف.
لكل ذلك ، نطالب بمراجعة شاملة وجريئة تركز على الجودة بدل الكم، وعلى الكفايات بدل الحشو المعرفي وعلى تنمية التفكير النقدي و روح الابداع.
كما نقترح أن تركز مراجعة المناهج والمقررات الاستناد إلى الأسس العلمية التي أرسيناها في نظريتنا حول "المنهاج المندمج"، لأن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بمراجعة المضامين مادة بمادة في عزلة عن بعضها البعض، بل يقتضي اندماجًا حقيقيًا بين المواد الدراسية بحيث تتكامل المعارف والمهارات بدل أن تتراكم في جزر منفصلة لا رابط بينها، وكذلك اندماجًا بين المقررات عبر مختلف المستويات والأسلاك بما يضمن انسجامًا تصاعديًا في بناء الكفايات. كما يستوجب هذا المنهاج أن يأخذ بعين الاعتبار أولويات البيئة والسياق الاجتماعي والثقافي الذي ينتمي إليه المتعلم، فلا معنى لمنهاج معزول عن واقع الطفل القروي أو الحضري، الفقير أو الميسور، ما دام التعلم الحقيقي هو الذي يجعل من المعرفة أداة لفهم محيط المتعلم والتفاعل معه لا نصًا مجردًا يُحفظ وينسى. من هنا تنبع أهمية اعتماد هذه الرؤية المندمجة كموجه أساسي في أي مراجعة قادمة للمناهج.
6. عدم الاكتفاء بالتركيز على الكفايات الصلبة وإيلاء العناية بالكفايات الناعمة:
انشغلت المنظومة التعليمية طويلًا بقياس التحصيل المعرفي في المواد الأساسية كاللغات والرياضيات والعلوم، وهو أمر مشروع لا محيد عنه، لكنه يبقى قاصرًا إن لم يُواكَب بعناية موازية بالكفايات الناعمة: التواصل، والعمل الجماعي، والتفكير النقدي، والذكاء العاطفي، والقدرة على حل المشكلات والتكيف مع المستجدات... وقد سبق أن أشار نا مرارا، إلى كون الكفاية ليست تراكمًا للمعارف بل قدرة على تعبئتها لمواجهة وضعيات ومشكلات حقيقية، فسوق الشغل اليوم لم يعد يكتفي بخريج يحفظ المعلومة بل يبحث عن فرد قادر على التفاعل والإبداع والمبادرة. ومن هنا تُصبح المطالبة بإدماج الكفايات الناعمة ضمن المناهج وطرائق التقويم، لا كنشاط هامشي بل كبعد أصيل في بناء شخصية المتعلم، ضرورة تربوية لا ترفًا إضافيًا.
7.حسم إشكالية لغة التدريس:
نطالب بضرورة حل إشكالية لغة التدريس بشكل سريع وفعال وحاسم، يضع حدًا للتخبط القائم منذ سنوات بين اللغتين العربية والفرنسية في تدريس المواد الأساسية، وعلى وجه الخصوص الرياضيات والعلوم. فتغيير لغة تدريس هاتين المادتين بين الأسلاك الابتدائي والإعدادي والثانوي والعالي، دون تكوين كافٍ للمدرسين ولا إعداد لغوي مسبق للتلاميذ، يُضاعف من صعوبة الفهم ويُرهق الأستاذ والمتعلم على حد سواء، ويُعمّق الفجوة بين أبناء المدرسة العمومية وأبناء المدارس الخاصة الذين يتلقون تكوينًا لغويًا مبكرًا ومنسجمًا. لذا ندعو إلى اعتماد رؤية لغوية واضحة ومستقرة عبر جميع الأسلاك التعليمية، تُحدد بدقة وبشكل نهائي لغة أو لغات تدريس كل مادة والتخلي عن اعتماد الفرنسية واستبدالها مرحليا وعند الضرورة بالإنجليزية. مع مواكبة كل ذلك بتكوين حقيقي ومستمر للمدرسين في اللغة المعتمدة، وبإعداد الكتب والمعاجم والمصطلحات العلمية الموحدة، حتى لا يتحول تعلّم العلوم والرياضيات والتكنولوجيات ... إلى معاناة لغوية تُضاف إلى صعوبة المادة نفسها، وتكون سببًا إضافيًا في التعثر الدراسي والهدر المدرسي.
8.تأهيل البنيات التحتية للمؤسسات والتسريع بالقضاء على الاكتظاظ:
كيف نطلب من طفل أن يحلم بمستقبل مشرق في مدرسة تفتقر إلى الماء والكهرباء والمرافق الصحية اللائقة؟ هذا ليس نقصًا تقنيًا، بل إهانة لكرامة أبنائنا. لذا نطالب ببرنامج استعجالي ملزم سواء في مدارس الريادة أو تلك التي لم يطلها الإصلاح بعد... لتأهيل هذه البنيات قبل انطلاق كل موسم دراسي وليس بعده، مع نشر لوائح دقيقة بالمؤسسات المعنية وآجال تنفيذ واضحة.
كما لا يمكن الحديث عن تفريد التعليم أو تكييف الفعل التربوي مع الفروق الفردية للمتعلمين، ما دامت الأقسام تعج بأعداد تفوق كل معيار بيداغوجي معقول. فالمدرّس الذي يواجه يوميًا أربعين تلميذًا أو أكثر في الحصة الواحدة، لا يملك من الوقت والجهد ما يكفي لرصد تعثر كل طفل على حدة، ولا لتنويع طرائقه بما يستجيب لإيقاعات التعلم المختلفة. وهكذا يتحول الاكتظاظ إلى جدار صلب يصطدم به كل حديث عن البيداغوجيا الفارقية أو التعلم النشط أو دمج التكنولوجيا الحديثة في الفصل، إذ تبقى هذه المقاربات حبرًا على ورق أمام واقع قسم مكتظ لا يسمح حتى بالحركة بين الصفوف. لذا نطالب بجدولة زمنية صارمة وملزمة لتقليص الاكتظاظ والأقسام المشتركة تدريجيًا وفق آجال محددة ومعلنة، باعتبار ذلك شرطًا أوليًا لا يمكن تأجيله، قبل الحديث عن أي إصلاح بيداغوجي آخر.
9. تحسين ظروف العمل و التمدرس:
في موضوع تأهيل البنيات التحتية وتحسين ظروف العمل والتمدرس سواء بالنسبة للمدرسين (السكن والنقل ...) أو التلاميذ، نلاحظ ضعف أو غياب خدمات السكن والنقل المدرسي بالمناطق القروية والنائية كسبب رئيسي للهدر المدرسي، خصوصًا في صفوف الفتيات اللواتي يدفعن الثمن الأول لهذا الإهمال. نطالب بتعميم هذه الخدمة فورًا وتقوية أسطولها، فأمن أبنائنا في طريقهم إلى المدرسة ليس تفصيلًا يمكن تأجيله.
كما نطالب بتحسين منظومة الداخليات والإطعام المدرسي وذلك بالرفع الفعلي من جودة الوجبات المقدمة للتلاميذ وتوسيع رقعة الاستفادة منها، مع تحسين ظروف الإقامة بالداخليات والزيادة في قدرتها الاستيعابية، لضمان استمرارية التمدرس، لأن طفلًا جائعًا أو مرهقًا لا يمكنه أن يتعلم مهما بلغت جودة المنهاج وشطارة المدرس.
10. تفعيل الدعم التربوي والنفسي: "من الشعارات إلى الإنقاذ الفعلي".
نطالب بالقطع مع منطق برامج الدعم الاستعراضية التي لا تتجاوز الخطابات الرسمية والمذكرات المكتبية، وبوضع آليات فعلية وملموسة لمواكبة التلاميذ في وضعية تعثر دراسي أو صعوبات تعلم حقيقية، لا صورية. فتجربة برنامج "طارل" كشفت حدودها بشكل صارخ:
-اختبارات الموضعة و تفيئ التلاميذ حسب المستويات دون إمكانيات لوجستية وقد يكون على حساب المتفوقين، ودون تتبع واستمرارية، مما يحدث الكثير من الاضطراب؛
-خلايا إنصات بلا أخصائيين، خلايا تعمل جزئيًا وبشكل متفاوت، وفي كثير من الحالات تبقى شكلية أكثر من كونها آلية دعم فعّالة، بسبب نقص التأطير والموارد؛
-مذكرات دعم بلا ميزانيات وأخرها "مذكرة أجرأة الدعم الممتد" التي أصدرتها الوزارة، وهي مذكرة تنظيمية جديدة تتعلق بأجرأة برنامج الدعم في إطار استكمال مشروع مؤسسات الريادة. ؛
- بمعنى آخر: الإطار التنظيمي لبرنامج الدعم (TaRL) موجود ومتجدد باستمرار، لكن الفجوة الكبرى — كما في خلايا الإنصات — هي بين ما تنص عليه المذكرة وما يتوفر فعليًا من موارد بشرية ومالية لتطبيقها في كل مدرسة.
-وعموما مؤشرات نجاح على الورق ...وتظل كلها إجراءات تُخفي واقعاً مدرسياً يزداد فيه الهدر والتعثر وفقدان الثقة والانقطاع عن الدراسة.
إننا لا نطالب بمزيد من البرامج الشكلية، بل بإرادة سياسية حقيقية تترجم إلى: توظيف أخصائيين نفسيين واجتماعيين بأعداد كافية ومؤهلين فعلياً، وتخصيص ميزانيات مستقلة وملزمة للدعم بالنفسي والبيداغوجي، بدل تركه رهين فائض الموارد أو حسن نية الفاعلين المحليين، وإحداث آليات تتبع صارمة ومستقلة تكشف الفجوة بين ما يُعلن في الخطابات وما يجري فعلاً داخل المؤسسات.
11. تعميم التكنولوجيات الحديثة والولوج إلى الإنترنت: نطالب بتجهيز جميع المؤسسات، حتى بالمناطق النائية، بالوسائل الرقمية اللازمة لمواكبة التحول الرقمي وتقليص الفوارق بين المؤسسات الحضرية والقروية، فالفجوة الرقمية اليوم هي فجوة في تكافؤ الفرص غدًا. كما ندعو إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في الفعل التعليمي بشكل محكم ومراقب، بحيث يبقى أداة مساعدة في خدمة المدرس والمتعلم اليافع لا بديلاً عن التفكير والمجهود الذهني، مع وضع ضوابط بيداغوجية واضحة تحول دون اعتماد التلاميذ عليه في سن مبكرة وبشكل مفرط يفضي إلى إدمانه والاتكال الكلي عليه، وهو ما قد يُضعف ملكاتهم الذهنية وقدراتهم على التحليل والاستنتاج والإبداع الذاتي والنقد. فالتكنولوجيا، مهما بلغت نجاعتها، ينبغي أن تبقى في خدمة العقل لا بديلاً عنه.
12. التقييم الموضوعي لتجربة "مدارس الريادة" والنظر في إمكانية توسيعها بشفافية:
نظرًا للأهمية التي يحظى بها برنامج "مدارس الريادة" ضمن خارطة الطريق الإصلاحية، على الأقل حسب منظور الوزارة ، والذي بلغ عدد مؤسساته الابتدائية 4.626 والإعدادية 786 مؤسسة، تستفيد منها ملايين التلميذات والتلاميذ، نطالب قبل الاستمرار في تعميمه ، بتوفير الشروط الحقيقية لنجاحه من تكوين المدرسين والأطر الإدارية والتقنية وتجهيز الفصول وتوفير الكتب المدرسية والتجهيزات الالكترونية وتأهيل مستخدميها وتقليص الاكتظاظ ، وإجراء تقييم موضوعي ودوري لنتائجه بشفافية تامة، وتعميم جوانب من التجارب الناجحة على باقي المؤسسات، بدل الاكتفاء بالطابع الإعلامي للمبادرة دون أثر ملموس على جودة التعلمات.
13. توصيات موجهة إلى قطاع التعليم الخصوصي (المدرسي منه وتعليم البعثات).
. تقنين الكلفة وضمان شفافيتها:
لا يمكن السكوت عن التصاعد شبه السنوي لواجبات التسجيل والدراسة في عدد من المؤسسات الخصوصية، حتى تحوّل التعليم الجيد، في نظر كثير من الأسر، إلى امتياز طبقي لا حقًا متكافئًا. نطالب بتفعيل صارم لمقتضيات القانون 59.21 المنظم للتعليم المدرسي الخصوصي، خصوصًا ما يتعلق بربط أي زيادة في الواجبات بمعايير موضوعية معلنة سلفًا (الجودة، البنيات، التأهيل)، وبإحداث آلية رقابية مستقلة تنشر سنويًا لوائح بأسعار المؤسسات وتطورها، حتى تختار الأسرة عن بيّنة لا عن اضطرار.
. صون وحدة المنظومة التربوية وتكافؤ الفرص:
إن أي هامش تمنحه بعض المؤسسات الخصوصية، بما فيها مدارس البعثات الأجنبية، لبرامج أو مقررات موازية، يجب ألا يتحول إلى قطيعة مع الإطار المرجعي الوطني الموحَّد للكفايات والمضامين الأساس والقيم، تحت طائلة المساس بمبدأ توحيد التعليم الذي ناضلت من أجله المدرسة المغربية منذ الاستقلال.
نطالب بالتالي، بمراجعة دورية وصارمة لدفاتر التحملات البيداغوجية لهذه المؤسسات، وبإلزامها باعتماد المكوّن الوطني (اللغتين العربية والامازيغية، التربية الإسلامية، التاريخ والجغرافيا بالمنظور الوطني، التربية على المواطنة وعلى المبادئ الكونية وحقوق الانسان...) ضمن مسارها الدراسي أيًا كان نظامها الأصلي، حفاظًا على هوية المتعلم المغربي وضمانًا لعدم تحول التعليم إلى مسارين متوازيين لا يلتقيان.
. وقف استنزاف التعليم العمومي لفائدة الخصوصي: من غير المقبول أن تُبنى ربحية بعض المؤسسات الخصوصية على استقطاب مدرسي التعليم العمومي للاشتغال بالساعة أو بالتوازي مع مهامهم الأصلية، في وقت تشكو فيه مدارس عمومية كثيرة، خصوصًا بالعالم القروي، من خصاص في الأطر. هذه الممارسة تُضعف انخراط المدرس في مؤسسته الأصلية، وتكرّس منطق "الاستثمار في الريع" بدل الاستثمار في التوظيف والتكوين الذاتي للمؤسسات الخصوصية. نطالب بإلزام المؤسسات الخصوصية بالتوفر على هيئة تدريس قارة ومصرَّحة، ووضع حد فعلي وقابل للتتبع لظاهرة "الساعات الإضافية الموازية"، مع تفعيل مقتضيات القانون الإطار المتعلقة بتحمّل التعليم الخصوصي لجزء من عبء التكوين (استقبال متدربين، دعم مدارس الفرصة الثانية، إلخ) بدل الاكتفاء بالاستفادة من مجهود التكوين الذي تتحمله الدولة وحدها.
. لجنة تتبع مشتركة: نجدد هنا ما دعا إليه فاعلون تربويون من ضرورة تفعيل لجنة دائمة تضم وزارة التربية الوطنية وممثلي التعليم الخصوصي وجمعيات الآباء، مهمتها التوفيق بين حرية المبادرة الخاصة من جهة، وضمان جودة ملائمة في التنظيمات التربوية والمناهج؛ وكلفة معقولة وتكامل حقيقي -لا تنافس هدّام-مع التعليم العمومي من جهة أخرى، بما يحفظ لكل الأطفال المغاربة، مهما كان مسارهم الدراسي، حظوظًا متكافئة في مستقبلهم.
14. تفعيل التكوين المهني ومدارس الفرصة الثانية:
تكشف الأحداث المؤلمة التي عرفتها مدينة سبتة المحتلة، وتكرر محاولات القاصرين غير المرفقين والشباب المغاربة اقتحام السياج أو ركوب قوارب الموت في ظروف بالغة الخطورة، عن أزمة عميقة تتجاوز جدران المؤسسة التعليمية. فوراء كل قاصر يخاطر بحياته بحثًا عن "فرصة" في الضفة الأخرى، تختبئ غالبًا قصة انقطاع دراسي مبكر، وغياب أفق مهني، وشعور باليأس من منظومة لم تمنحه فرصة ثانية حين تعثر. إننا لا نقرأ هذه المآسي كأحداث معزولة، بل كمرآة تعكس فشلنا الجماعي في استيعاب فئة واسعة من شبابنا.
فحسب المعطيات الرسمية، بلغ عدد المنقطعين عن الدراسة نحو 276 ألف تلميذة وتلميذ خلال الموسم الدراسي 2024-2025 وحده، في وقت تتعمق فيه اختلالات بنيوية في منظومة التكوين المهني، حيث
رصد تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ، اختلالات عميقة تحدّ من قدرة التكوين المهني على استيعاب المنقطعين عن الدراسة في سن مبكرة وعن تحقيق اندماج فعلي في سوق الشغل، أبرزها غياب تحديد دقيق ومؤسساتي للأدوار المنوطة بالقطاع، وفشله في الاستجابة للطلبات لحاجيات المقاولات كمّاً ونوعاً بسبب تقادم العرض التكويني.
وفي وقت لا تضم فيه شبكة مدارس الفرصة الثانية-الجيل الجديد، التي تشرف عليها مديرية التمدرس الاستدراكي والمدرسة الدامجة (مديرية التربية غير النظامية سابقا) بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بشراكة مع نحو 190 جمعية مدنية، سوى حوالي 236 مركزًا موزعة على 12 جهة، تستوعب ما يقارب 18 إلى 20 ألف مستفيد ومستفيدة سنويًا فقط، رغم أن الحصيلة التراكمية لهذا البرنامج مكّنت من إعادة إدماج نحو 35 ألف شاب وشابة خلال السنوات الأخيرة. فالفجوة بين حجم الظاهرة وحجم الاستجابة لا تزال شاسعة، وهو ما يفسر جزءًا من مأساة القاصرين والشباب الباحثين عن أفق آخر خارج الحدود. لذا نطالب بتوسيع حقيقي وواسع لمدارس الفرصة الثانية بما يواكب الحجم الفعلي للمنقطعين لا نسبة محدودة منهم، وبتعزيز الموارد البشرية واللوجستية للمديرية لتمكينها من الاضطلاع بمهامها، وبتقوية التكوين المهني وربطه الفعلي بحاجيات سوق الشغل ليصبح مسارًا كريمًا يُقصد باختيار لا خيارًا أخيرًا يُفرض بالإحباط، لأن مدرسة لا تفتح أبوابها لمن تعثر فيها مرة، تدفع أبناءها، عاجلاً أو آجلاً، نحو مسارات الهجرة غير النظامية والمجهول.
15. تعزيز استقلالية المؤسسات التعليمية وتفعيل مشروعها المندمج:
نطالب بتكريس استقلالية حقيقية للمؤسسة التعليمية في التدبير والقرار، بعيدًا عن المركزية المفرطة التي تكبح روح المبادرة لدى الفاعلين التربويين، وذلك عبر تفعيل فعلي لمشروع المؤسسة كإطار مندمج يُبنى بمشاركة جماعية لا بمذكرات جاهزة تُفرض من فوق. ويقتضي ذلك إشراكًا حقيقيًا للمديرين والمفتشين التربويين والمدرسين في اتخاذ القرار وفي بلورة الاختيارات البيداغوجية والتنظيمية للمؤسسة، بما يعزز روح المسؤولية والانتماء لديهم جميعًا.
كما ندعو إلى التعاون الجماعي على تنشيط الحياة المدرسية، عبر دعم وتفعيل النوادي الفنية والثقافية والرياضية داخل المؤسسات، باعتبارها فضاءات لا تقل أهمية عن الفصول الدراسية في بناء شخصية متوازنة للمتعلم، وصقل مواهبه، وترسيخ قيم التعاون والانخراط الإيجابي في الحياة الجماعية.
كما نطالب في إطار ما أسميناه بالتربية الوالدية "، بتفعيل شراكة حقيقية، لا صورية، بين المؤسسة والفاعلين المحليين و الجمعويين، بما يضمن حكامة تشاركية تراعي حاجيات كل منطقة، ويمنح الآباء والأمهات وجمعياتهم، دورًا فعليًا في القرار لا مجرد الحضور الشكلي.
16.مراجعة شاملة لمنظومة التقويم والاختبارات السائدة في مدارسنا:
وفي هذا الصدد نقترح منظومة بديلة تكمن باختصار فيما أسميناه بالتقويم البنائي-المندمج والذي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد إضافة تقنية إلى منظومة التقويم القائمة، أو مجرد تنويع في أدوات الاختبار والقياس، وإنما باعتباره تحولًا في فلسفة التقويم ووظيفته وموقعه داخل العملية التعليمية–التعلمية. فالمشكلة لا تكمن فقط في طبيعة الاختبارات المعتمدة، وإنما في تصور تقويمي ما يزال، بدرجات متفاوتة، ينظر إلى التقويم باعتباره محطة للحكم على المتعلم بعد انتهاء التعلم، أكثر مما ينظر إليه باعتباره آلية لمواكبة التعلم وتوجيهه وبنائه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من تقويم يَحكم على المتعلم إلى تقويم يساعده على التعلم، ومن تقويم يلتقط الأخطاء إلى تقويم يستثمرها، ومن تقويم يركز على النتيجة إلى تقويم يتتبع المسار، ومن منطق الانتقاء والتصنيف إلى منطق الفهم والدعم والنماء.
كما تُشكّل كثرة الاختبارات الممركزة وما يصاحبها من إلزامية إدخال النتائج في منظومة الوزارة مسار (فيما يُعرف بمسك الكفايات) مصدر ضغط مهني ونفسي متزايد على المدرسين، إذ يتحول الفعل التربوي تدريجياً من عملية دينامية قائمة على التفاعل البيداغوجي والتقويم التكويني (البنائي والمندمج) المستمر إلى سيرورة إجرائية محكومة بآجال رقمية ومؤشرات كمية؛ فتكاثر الفروض الموحدة والاختبارات الدورية يفرض إيقاعاً تقويمياً متسارعاً يحدّ من الزمن المخصص للمعالجة البيداغوجية العميقة أو للأنشطة الإبداعية، بينما تؤدي المكننة الإدارية المرتبطة بإدخال النقاط وتفريغ الشبكات إلى نقل جزء معتبر من الجهد من التدريس إلى التوثيق الرقمي، بما يحوّل المدرس إلى منفذ لإجراءات معيارية أكثر منه فاعلاً تربوياً مستقلاً.
وسبق أن أشرنا مرارا إلى الظواهر السلبية التي تزيد في تعميق مشاعر الفشل والإحباط، وفي مقدمتها الخوف والهلع من الامتحان والاضطراب في الأداء في إطار المناخ القاسي الذي تمر فيه الامتحانات وبالتالي تعثر أعداد غير قليلة من التلاميذ، بحيث لا يكشف الامتحان في نهاية المطاف، عن مستوى تحصيلهم الحقيقي، وقد تنتشر بارتباط مع ذلك، ظواهر لا تربوية، مثل لجوء التلاميذ إلى الخداع والغش أو إلى الكذب والتهرب وربما إلى بعض السلوكات المشينة والعدوانية تجاه المدرسة والمدرسين.
وفي هذا السياق، يقدم التقويم البنائي-المندمج إمكانًا حقيقيًا لتجاوز من جهة المنظومة التقليدية الموروثة وتجاوز في نفس الآن الغرق في التقنانية التي أصبحت تميز الفعل التقويمي الألي (مسك النقط والكفايات...) على سبيل المثال، والذي أصبحت المدرسة الرائدة ترهق به المدرسين. لأن التقويم في نظرنا، جزء من فعل التدريس نفسه، ومصدر مستمر للمعلومات والمهارات التي تمكن المدرس والمتعلم معًا من معرفة أين يقف المتعلم، وما الذي أتقنه، وما الذي ما يزال يحتاج إلى بناء، وما التدخل التربوي الأنسب لمساعدته. لذلك، فإن الرهان ليس في استبدال امتحان بامتحان أو أداة بأداة، وإنما في إعادة بناء الثقافة التقويمية للمدرسة المغربية، بحيث يصبح التقويم أداة للفهم والتشخيص والتعديل والدعم، لا مجرد آلية لإنتاج النقط وترتيب المتعلمين. ومن هذا المنظور، يمكن للتقويم البنائي أن يشكل أحد المداخل الأساسية للانتقال من مدرسة تقيس التعلمات بعد وقوعها إلى مدرسة تواكب بناءها لحظة بلحظة.
خاتمة: نداء أخير قبل فوات الأوان:
إن نجاح الدخول المدرسي وتحقيق الجودة المنشودة في منظومتنا التعليمية رهين بمقاربة شمولية تجمع بين المجهود المالي والإرادة السياسية الحقيقية من جهة، والحكامة الرشيدة وربط المسؤولية الصارم بالمحاسبة من جهة أخرى، إلى جانب انخراط فعلي وصادق لجميع الأطراف: الأسرة والمدرسة والدولة والمجتمع المدني.
نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب ما هو حق أبسط طفل مغربي: مدرسة آمنة، مدرس متمكن و حاضر، فصل مؤهَّل، ومستقبل لا يُختصر في أرقام الميزانية... وإننا إذ نتقدم بهذا النداء، فإننا نعلم أن الكلمات وحدها لا تبني مدارس ولا تسد خصاصًا، لكننا نرفض أن نصمت بينما جيل كامل ينتظر. نأمل، ونحن نراقب باهتمام، أن تجد توصياتنا آذانًا صاغية وتُترجم إلى إجراءات ملموسة وآجال محددة تُخدم بها مصلحة أبنائنا ومستقبل بلادنا، قبل أن يتحول الأمل، مرة أخرى، إلى مجرد انتظار.
القنيطرة، 1سبتمبر2026