من المفارقات التي تستحق التوقف عندها في تدبير الشأن التعليمي أن تتحول بعض الشكايات المجهولة، التي لا تتضمن أحيانا سوى ادعاءات عامة أو اتهامات غير مدعمة بمعطيات قابلة للتحقق، إلى ملفات تستنفر مختلف مستويات التدبير (مفتشية عامة، أكاديميات، مديريات إقليمية...) ، وتستدعي تشكيل لجان للتقصي والبحث، وإجراء زيارات ميدانية، والاستماع إلى المعنيين، وتحرير محاضر وإعداد تقارير، قبل أن تنتهي بعض هذه العمليات إلى عدم ثبوت الوقائع موضوع الشكاية أو صعوبة الوصول للدلائل التي يدعي المشتكون التوفر عليها.
إننا أمام إشكالية حقيقية تتعلق بهدر الزمن الإداري وكلفة الفرصة الضائعة، فكل ساعة يقضيها مسؤول إداري أو مفتش تربوي في البحث في ادعاءات غير جدية، هي ساعة تقتطع من الزمن المخصص للتأطير والتتبع والتقييم وتحسين جودة الخدمات التربوية. وإذا أضفنا إلى ذلك الزمن الذي تستغرقه المراسلات والاستفسارات والاجتماعات والتنقلات وإعداد التقارير، فإن الكلفة التنظيمية لهذه العمليات قد تصبح أكبر بكثير مما يبدو للوهلة الأولى.
والأخطر من ذلك أن بعض الشكايات المجهولة قد تتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية أو المهنية، أو ممارسة الضغط على المسؤولين والموظفين، مستفيدة من استنفار الوزارة واستعدادها للتفاعل معها بشكل مستعجل، حتى عندما تفتقر إلى الحد الأدنى من القرائن الجدية.
لكن هل يعني ذلك تجاهل الشكايات المجهولة؟ بالتأكيد لا.
فمجهولية مصدر الشكاية لا تعني بالضرورة عدم صحتها، وقد تكون أحيانا وسيلة مشروعة لحماية المبلغين عن اختلالات حقيقية، خصوصا في الحالات التي يخشى فيها أصحابها التعرض للانتقام أو التضييق.
غير أن حماية حق التبليغ لا ينبغي أن تعني التعامل مع جميع الشكايات بالدرجة نفسها من الجدية، أو الانتقال آليا من مجرد التوصل بشكاية إلى تعبئة الموارد البشرية والإدارية للتحقيق في مضمونها، فالمطلوب هو الانتقال من منطق التفاعل الآلي مع الشكايات إلى منطق المعالجة المبنية على تقييم المخاطر والقرائن. وهو ما يقتضي اعتماد آلية مؤسساتية للفرز الأولي، تقوم على تقييم دقة الوقائع المبلغ عنها، ومدى قابليتها للتحقق، ووجود مؤشرات موضوعية تستدعي فتح بحث إداري، مع إعطاء الأولوية للشكايات المرتبطة باختلالات جسيمة أو بمخاطر تمس حقوق المرتفقين وسلامتهم.
كما يقتضي الأمر تقييم الكلفة الإدارية لعمليات التقصي، وتتبع مآلات الشكايات، وتحليل نسبة الملفات التي تثبت فيها المخالفات، بما يسمح بتطوير آليات الرقابة وترشيد توظيف الموارد البشرية.
إن فعالية الإدارة لا تقاس بعدد اللجان التي تشكلها، ولا بحجم التقارير التي تنتجها، بل بقدرتها على توجيه مواردها نحو القضايا التي تستحق التدخل فعلا.
فليس من الحكامة الجيدة أن نستنزف وقت الإدارة في البحث عن اختلالات مفترضة، بينما تنتظر اختلالات حقيقية ومشاريع تربوية ذات أولوية من يتفرغ لمعالجتها.
والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو: كم من يوم عمل يُستهلك سنويا داخل منظومة التربية الوطنية في معالجة شكايات مجهولة تنتهي دون إثبات أي مخالفة؟ وما الكلفة الفعلية لذلك على أداء الإدارة وجودة خدماتها؟
إنها أسئلة تستحق دراسة موضوعية، بعيدا عن منطق التشكيك في حق التبليغ أو التقليل من أهمية الرقابة، لأن الغاية ليست تقليص المساءلة، بل ترشيدها حتى لا تتحول الوسائل المخصصة لحماية المرفق العمومي إلى عامل يستنزف موارده ويعطل أداءه.
