recent
آخر المواضيع

من لغة البيت إلى لغة المدرسة: كيف نبني جسرًا إلى العربيّة؟


 "أنا لا أحبُّ العربيّة".

كلّما سمعت هذه العبارة من متعلّم، أتوقّف عندها قليلًا. لا أسمع فيها رفضًا للعربيّة بقدر ما أسمع أثر تجربة تركت في علاقته بها شيئًا من التردّد والتوتّر؛ خطأً خشي ارتكابه، أو تعبيرًا تردّد في استخدامه، أو نصًّا لم يجد فيه ذاته. وربّما كان اغترابًا لغويًّا نتيجة علاقة متبدّلة مع اللغة. فهل لا يحبّ الطفل العربيّة فعلًا، أم أنّنا لم نمنحه بعد تجربة تجعله يرى نفسه فيها؟

وهنا أتوقّف عند سؤال يعنيني، كما يعني كلّ من يؤمن بالعربيّة تعليمًا وتعلّمًا وممارسة: ماذا لو كان ما نعدّه مشكلة لغويّة، هو في الحقيقة مورد لم نُحسن قراءته بعد؟ ماذا لو كانت اللهجة التي يأتي بها الطفل من بيته ومجتمعه ليست خصمًا للفصحى، بل رصيدًا لغويًّا يمكن البناء عليه؟ ولماذا ما زلنا نتردّد ونحاذر حين نتحدّث عن اللهجة في تعليم العربيّة؟

 

الحذر من اللهجة لا يجعل الفصحى أقوى، بل قد يحرمنا من أحد أقرب المداخل إليها. فاللهجة ليست فراغًا لغويًّا، ولا نظامًا بلا قيمة، ولا عائقًا ينبغي أن يُقصى عند باب المدرسة. إنّها معرفة لغويّة سابقة تحمل أصواتًا وتراكيب ومفردات ودلالات وتجارب، ويمكن أن تتحوّل، حين نُحسن توظيفها، إلى نقطة ارتكاز للانتقال إلى نمط لغويّ أوسع وأكثر رسميّة.

لذلك، آن الأوان أن نعيد النظر في حضور اللهجات داخل الصفّ بمنطق يتجاوز الخوف إلى الوعي، والمنع إلى التوظيف. ليست القضيّة أن نضع اللهجة مكان الفصحى، ولا أن نذيب الحدود بينهما، بل أن نفهم ما يحمله المتعلّم منها، وكيف يمكن أن نبني عليه.

 

ما الذي ينتقل تحت سطح اللغة؟

لنبدأ بما تقوله البحوث عن تعلّم اللغة وتطوّرها، لا بما اعتدنا أن نعتقده عنها. فالمتعلّم لا يدخل الصفّ من دون رصيد لغويّ ومعرفيّ، بل يبني تعلّمه الجديد على ما اكتسبه سابقًا من مفاهيم وخبرات وطرائق في تنظيم الأفكار وبناء المعنى. فالانتقال بين اللغات لا يقتصر على المفردات والتراكيب الظاهرة، بل يمتدّ إلى عمليّات الفهم والاستدلال وربط الجديد بالسابق.

يساعدنا نموذج الكفاءة المشتركة لدى جيم كامينز في فهم اللغة من مستويين متداخلين: سطح لغويّ تظهر فيه الأصوات والمفردات والتراكيب الخاصّة بكلّ لغة، وعمق مشترك تتفاعل فيه المعرفة والمفاهيم وعمليّات الفهم والاستدلال وتنظيم الأفكار. ومع أنّ النموذج وُضع أساسًا لتفسير العلاقة بين اللغة الأولى واللغة الثانية، فإنّنا نستفيد منه هنا انطلاقًا من واقع الطفل العربيّ، إذ يكتسب الطفل لهجة البيت أوّلًا بوصفها لغته اليوميّة، ثمّ يتعلّم العربيّة الفصحى المعياريّة في المدرسة بوصفها لغة ثانية من حيث مسار الاكتساب والاستعمال التعليميّ، وإن كانت اللهجة والفصحى تنتميان إلى نظام لغويّ واحد.

ومن هذا المنظور، لا يبدأ الطفل تعلّم الفصحى من فراغ، بل يصحب معه ما بناه بلهجته من معانٍ ومفاهيم وخبرات وطرائق في التفكير. ويصبح تعليم العربيّة، بذلك، أكثر من تدريب على استبدال كلمة بأخرى أو تصحيح صياغة لغويّة، إنّه بناء جسر يساعد المتعلّم في إعادة تشكيل ما يريد قوله والتعبير عنه بالفصحى، وتوسيع أدواته اللغويّة، واختيار النمط الأنسب للسياق، من دون أن يفقد المعنى في طريق الانتقال.

 

إذا كانت هذه فرصًا، فكيف نوظّفها داخل الصفّ؟

إذا كانت اللهجة جزءًا من الرصيد اللغويّ الذي يأتي به المتعلّم، فالاعتراف بها لا ينبغي أن يبقى موقفًا نظريًّا، بل أن يتحوّل إلى ممارسات صفّيّة مقصودة تساعده في الانطلاق ممّا يعرفه، واكتشاف الصلات بين استعمالاته اللغويّة والعربيّة الفصحى، وتوسيع قدرته على استخدامها في سياقات أكثر تنوّعًا.

ولتحويل هذا التصوّر إلى ممارسة، يمكن للمعلّم توظيف استراتيجيّات تجعل المقارنة وبناء المعنى وإعادة الصياغة جزءًا من عمليّة التعلّم نفسها، ومن هذه الاستراتيجيّات:

 

انفوغراف

 

وتُجمع هذه الاستراتيجيّات، على اختلافها، حول مبدأ واحد: أنّ التنقّل اللغويّ لا يعني انتقال المتعلّم عشوائيًّا بين اللهجة والفصحى، بل هو انتقال مخطّط له، تدعمه بيئة صفّيّة واعية، وموارد لغويّة واضحة، وتدخّل مقصود من المعلّمة يوجّه هذا الانتقال نحو هدف تعلّميّ محدّد. فالمعلّمة لا تكتفي بالسماح للمتعلّم باستخدام ما يعرفه، بل تهيّئ له البطاقات والمصادر والجدران اللغويّة، وأشكال العمل التي تساعده في ملاحظة الصلات بين لغته والعربيّة التي يتعلّمها، ثمّ الانتقال إليها بوعي.

 

حين يتحوّل الجسر إلى بديل: أين ينبغي أن ننتبه؟

إذا كانت اللهجة نقطة انطلاق، فلا ينبغي أن تتحوّل إلى نقطة وصول. فالقيمة التعليميّة لا تكمن في حضورها داخل الصفّ في حدّ ذاته، بل في الوظيفة التي تؤدّيها: هل تساعد المتعلّم في بناء المعنى والوصول إلى الفصحى، أم تصبح بديلًا عنها؟

لذلك، لا يكون السؤال: هل نسمح باللهجة أم نمنعها؟ بل: متى نستخدمها؟ ولأيّ غرض؟ وإلى أين يقود استخدامها؟ حين تُستثمر لاستدعاء معرفة سابقة، أو فهم معنى جديد، أو بناء صلة بين تعبير مألوف ومقابله الفصيح، تصبح موردًا للتعلّم. أمّا إذا بقي المتعلّم عندها من دون أن يُوجَّه إلى توسيع تعبيره وإعادة بنائه بالفصحى، فقد يتحوّل الجسر إلى نقطة وصول.

 

ولكي يبقى الجسر جسرًا، يمكن أن تضبط الممارسة الصفّيّة المبادئ الآتية:

1- بناء ثقافة صفّيّة آمنة لغويًّا

البدء بتأسيس اتّفاقات لغويّة واضحة تعترف بالتنوّع اللهجيّ، وتوضّح أنّ اختلاف الاستعمال لا يعني بالضرورة الخطأ، وأنّ لكلّ نمط لغويّ سياقه ووظيفته. بذلك يصبح الصفّ مساحة يستطيع فيها المتعلّم أن يجرّب ويقارن ويتعلّم، من دون أن يرتبط اختلاف لغته بالخوف من التصحيح.

2- تعليم الانتقال بدلًا من الاكتفاء بالسماح به

جعل الانتقال بين اللهجة والفصحى ممارسة ظاهرة ومقصودة، وتحديد لكلّ انتقال غرضًا: استدعاء خبرة، أو بناء فهم، أو مناقشة فكرة، ثمّ إعادة تشكيلها بالفصحى. ويمكن أن يقاد المتعلّم بأسئلة متدرّجة: كيف تقولها بطريقتك؟ ← ماذا تقصد؟ ← كيف يمكن أن نصوغها بالفصحى؟ ← كيف نستخدمها في سياق جديد؟

3- إعادة صياغة كلام الطالب بالفصحى

التقاط المعنى وتقديم النموذج الطبيعيّ إلى المتعلّم، بدل إيقافه عند كلّ تعبير لهجيّ،

الطالب: "الشخصيّة كانت خايفة".

المعلّمة: "نعم، كانت خائفة. ما الذي جعلها خائفة؟"

بهذه الطريقة، يسمع الطالب الصياغة الفصيحة ويعيد استخدامها، من دون أن يتحوّل التصحيح إلى حاجز أمام التعبير.

4- بناء جسور بين المفردات

ربط التعبير المألوف لدى الطالب بمقابله الفصيح:

زعلان ← غاضب 
بدّه ← يريد 
هلّق ← الآن

عدم الوقوف عند عرض المقابل، بل نقل المفردة من مستوى التعرّف إلى الاستخدام، والطلب إلى المتعلّم توظيفها في جملة أو سياق جديد.

5- الفصحى بوصفها نقطة الوصول

صمّم النشاط بحيث يقود في نهايته إلى منتج أو أداء يوظّف الفصحى: تلخيص أو تفسير أو استنتاج أو كتابة أو عرض. فالمقصود من استدعاء اللهجة ليس البقاء عندها، بل الاستفادة ممّا يحمله المتعلّم للوصول إلى قدرة أوسع على الفهم والتعبير بالفصحى.

 

***

ختامًا، نستحضر قول طه حسين: "إمّا أن نُيسّر علوم اللغة العربيّة لتحيا، وإمّا أن نحتفظ بها كما هي لتموت". ولعلّ التيسير الذي نحتاج إليه اليوم لا يعني تبسيط العربيّة أو التنازل عن فصحاها، بل إعادة التفكير في الطريق الذي تصل به إلى المتعلّم؛ طريق لا يبدأ برفض ما يحمله الطفل من لغة، ولا ينتهي باستبدالها، بل يبني عليها ويوسّعها، حتّى تصبح العربيّة الفصحى لغة يملكها الطفل ويستخدمها بمرونة ووعي. فالعربيّة لا تحيا بحراسة أبوابها، بل حين نفتح للمتعلّم طريقًا إليها، حتّى يجد فيها صوته، ويجعلها جزءًا من عالمه.

من لغة البيت إلى لغة المدرسة: كيف نبني جسرًا إلى العربيّة؟
Educa 24

اقرأ أيضًا

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent