لماذا حذر ابن رشد من تعليم الفلسفة للعوام واعتبره خطراً على الإيمان؟
قد يؤدي تقديم دواء كيميائي لمريض لا يشكو إلا وعكة بسيطة إلى مضاعفات تفوق أثر المرض ذاته. ويمكن عرض نظرية ابن رشد في "طبقات المعرفة" من خلال هذه المقاربة الطبية، إذ يقرر أن الشريعة تخاطب الناس على قدر تفاوت قدراتهم الإدراكية وطبائع عقولهم.
يقسم ابن رشد المتلقين للمعرفة إلى ثلاثة أصناف: الخطابيون وهم الجمهور العريض، والجدليون وهم المتكلمون، والبرهانيون وهم الفلاسفة والعلماء الراسخون. ويقوم فهم العوام للدين على الأدلة الخطابية التي تخاطب الوجدان وتتصل بالتصورات الحسية والظواهر البسيطة. أما نظر الفيلسوف فيقوم على البرهان العقلي الذي يبحث في علل الأشياء وحقائقها المجردة. وإفشاء التأويلات الفلسفية المعقدة للعوام يزعزع عقيدتهم، لأن عقولهم تفتقر إلى الأدوات المعرفية لاستيعاب التجريد، فيقعون في الشك والاضطراب الفكري.
يوجه ابن رشد نقده في هذا السياق إلى المتكلمين (الأشاعرة وغيرهم)، ويتهمهم بأنهم صرحوا بالتأويلات الفلسفية واستدلالاتهم الجدلية للجمهور، فأوقعوا الناس في الحيرة والشكوك، وأخلّوا بوحدة المجتمع. فالمنهج الجدلي القائم على الإلزام ونقض حجج الخصوم قد يزعزع الإيمان البسيط لدى العقل غير المدرب، دون أن يعوضه بيقين برهاني.
ويخلص ابن رشد إلى أن حجب الفلسفة وتأويلاتها عن العوام يحقق مصلحتين: حماية إيمان الجمهور الفطري من التصدع، وصيانة الحكمة الفلسفية من الابتذال والتشويه حين تتداول في أوساط تسيء فهمها وتوظيفها.
[ابن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الإتصال أو وجوب النظر العقلي وحدود التأويل ( الدين والمجتمع )، إشراف وتحرير: محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط8، 2020]