تلخص هذه الورقة أبرز الحجج العلمية والتربوية والاجتماعية التي تحرم، أو على الأقل تراجع، بقاء الواجبات المنزلية المكتوبة في المدرسة الابتدائية. تستند الورقة إلى مراجعة الأدبيات الدولية (Cooper، 2006؛ OECD، 2014) ومواقف المؤسسات التربوية الفرنسية والكندية، إضافة إلى مساهمات سيكولوجية النمو.
تبرز ثلاثة نتائج جوهرية: (1) أثر الواجبات المنزلية هامشي أو منعدم إحصائيا على التحصيل في الابتدائي؛ (2) هي تعمق الفوارق الاجتماعية بين التلاميذ؛ (3) تضر بفئات الأطفال ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة (اضطرابات dys، وفرط الحركة وتشتت الانتباه).
تختتم بخمس توصيات عملية موجهة إلى صناع القرار التربوي ومديري المؤسسات والأسر.
1. السياق والإشكالية
تطرح قضية الواجبات المنزلية في الابتدائي كنقاش متجدد في الأنظمة التربوية الناطقة بالعربية والفرنسية والإنجليزية. في فرنسا، كانت تعميم 29 ديسمبر 1956 قد منع الواجبات الكتابية الإلزامية خارج الفصل في الابتدائي، وهو مبدأ أكد لاحقا في نصوص لاحقة. غير أن الممارسة الفعلية لا تزال واسعة الانتشار، وكثيرا ما يكون ذلك استجابة لطلب ضمني من الأسر.
على المستوى العلمي، تتقارب الميتا-تحليلات الأكثر صرامة المنجزة منذ مطلع الألفية الثالثة على نتيجة مرجحة: إن كان للواجبات أثر إيجابي محدود في الإعدادية والثانوية، فإن ارتباطها بالنجاح الدراسي في الابتدائي شبه منعدم. فقد خلص Cooper وآخرون(Robinson وPatall، 2006) في تركيب شمل ستين دراسة منشورة بين 1987 و2003 إلى أن الواجبات في الابتدائي لا تكاد تفسر أي تباين في النتائج الدراسية، مع توليدها آثارا جانبية موثقة (التعب، النزاعات العائلية، فقدان الاهتمام بالتعلم).
يدعو هذا المعطي إلى مراجعة نقدية لدور الزمن المدرسي مقارنة بالزمن العائلي. وتنظم هذه الورقة حجتها وفق أربعة محاور: (أ) القيود المعرفية والفزيولوجية للطفل؛ (ب) أثر مضخم للفوارق الاجتماعية؛ (ج) تأثير على الفئات ذات الاحتياجات التربوية الخاصة؛ (د) البدائل الموصى بها.
2. القيود المعرفية والفزيولوجية للطفل
يقضي تلميذ الابتدائي نحو ست ساعات يوميا في وضعية جلوس مركز على مهام مدرسية. تتجاوز هذه الحمولة، استنادا إلى أبحاث علم الأعصاب التربوي (Immordino-Yang & Deo، 2019)، السقف الانتباهي الفزيولوجي المتاح في هذا السن.
إن مرونة الدماغ لدى الطفل بين السادسة والحادية عشرة تستوجب فترات استشفاء نشطة، عبر اللعب الحر والحركة والمعالجة العاطفية، كي تترسخ التعلمات المكتسبة في الفصل.
تمثل لحظة العودة إلى البيت، لدى غالبية الأطفال، ذروة للتوتر العاطفي المتراكم. يصف علماء نفس النمو هذه اللحظة بـ«التفريغ التكيفي»: يحتاج الطفل إلى تحرير الضبط الانتباهي الذي فرض عليه في المدرسة. ففرض الواجبات في تلك اللحظة تحديدا يعني استنزاف احتياط معرفي مستهلك أصلا، مما يحبط فاعلية المهمة ويولد نزاعات متكررة بين الوالدين والطفل. وقد بين Katz وزملاؤها (Buzwell وBernard وChessor، 2022) أن جودة العلاقة بين الوالدين والطفل أثناء الواجبات هي المتنبئ الأقوى بالدافعية الدراسية بعيد المدى، أكثر من حجم الواجباتأو صعوبتها.
أما على الصعيد الإرغونومي الصرف، فإن الجلوس المطول يحمل مخاطر محققة على النمو القوامي للطفل، أوردتها هيئات الصحة العامة (منظمة الصحة العالمية، 2019). وإضافة ساعة عمل منزلي ساكن إلى رصيد الجلوس اليومي تفاقم إجمالي الانكشاف.
3. الواجبات المنزلية كمضخم للفوارق الاجتماعية
تستند أقوى الحجج ضد الواجبات المنزلية إلى تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وفي دراسة PISA المنشورة سنة 2014 (PISA in Focus رقم 37)، تبرز المنظمة أن الزمن المخصص للواجبات مرتبط ارتباطا وثيقا بالأصل الاجتماعي، وأن هذا الارتباط يفسر قسطا معتبرا من فجوة الأداء بين التلاميذ الميسورين والمحرومين. فالأوائل يستفيدون من بيئة مادية (مكتب، هدوء، ربط بشبكة الإنترنت) وثقافية (أبوان مؤهلان لتقديم عون خبير) وزمنية (وجود الأهل مساء) أفضل بكثير من أقرانهم.
يحول هذا التفاوت الواجبات آليا إلى أداة لإنتاج التفاوت الاجتماعي: فالعلامة المحصل عليها تعكس موارد البيت أكثر مما تعكس كفايات التلميذ. وقد خلص المجلس الأعلى للتربية في كيبك (2005) في رأيه «دعم تأمل في الواجبات في المدرسة الابتدائية» إلى أن الواجبات تساهم في توسيع الفجوة بين التلاميذ دون أن تنتج مكسبا جماعيا قابلا للقياس.
في فرنسا، أكدت دراسة المديرة العامة لتقييم الأداء والتوقعات (DEPP) (Caille، 2014) هذا التشخيص: يتفاوت معدل الزمن المخصص للواجبات تفاوتا يفوق الضعف بحسب الوسط الاجتماعي، والفجوات المرتبطة به ذات دلالة إحصائية. ومن ثم، فإن إبقاء الواجبات المنزلية يعني تسليم جزء محدد من إنتاج اللامساواة المدرسية إلى الفضاء الخاص، في تناقض صريح مع مبدأ تكافؤ الفرص الذي تحمله المدرسة العمومية.
4. التأثير على الأطفال ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة
يتعرض الأطفال الذين يعانون اضطرابات نوعية في اللغة والتعلم (اضطرابات «dys»: عسر القراءة، عسر الأداء، عسر الإملاء، عسر الحساب) أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (TDAH) لعقوبة خاصة من نظام الواجبات. فإيقاع معالجتهم المعرفية أبطأ؛ والمهمة التي ينجزها التلميذ العادي في خمس عشرة دقيقة قد تستلزم منهم ما بين خمس وأربعين وستين دقيقة، دون مردود تعلمي يقاس.
يولد هذا التحميل اليومي إرهاقا مزمنا يرتد سلبا على الجاهزية المعرفية لليوم التالي داخل الفصل، فيتشكل مأزق ت circularي موثق في الأدبيات العيادية (Bembenutty، 2011). كما يسهم في تآكل تقدير الذات وفي نشوء قلق مدرسي، عواقبه بعيدة المدى أكثر تثبيتا مما يفترض أن تمنعه الواجبات. ولهذه الفئات، يستوجب مبدأ المدرسة الدامجة على العكس من ذلك فردنة زمن التعلم، وهو ما يستحيل تحقيقه بتكليف موحد يوزع على مجموع القسم.
5. التوصيات العملية
في ضوء ما تقدم، لا ينبغي أن يصور البيت كامتداد لقاعة الدرس. إنه فضاء تكميلي للنمو، تكتسب فيه كفايات ليست مدرسية صرفة لكنها جوهرية للنمو الشامل: القراءة الممتعة، التعبير العاطفي، الأنشطة الإبداعية، المشاركة في الحياة المنزلية والمطبخ، اللعب الحر. تستهدف التوصيات التالية صناع القرار التربوي ومديري المؤسسات:
التوصية 1 — إلغاء الواجبات الكتابية الإلزامية في الابتدائي عبر إصدار مذكرات في الموضوع.
التوصية 2 — تركيز التعلمات في الزمن المدرسي. إحداث حصص دراسة موجهة داخل المدرسة، بإشراف أساتذة مكونين، ضمانا لتكافؤ الولوج إلى العون المنهجي.
التوصية 3 — إعلاء قيمة التعلم غير الرسمي في البيت. تزويد الأسر بقائمة إيجابية من الأنشطة التربوية غير الملزمة (القراءة المشتركة، ألعاب باللوحة، تجارب المطبخ، الحوار حول يوم الطفل).
التوصية 4 — تكوين الأساتذة على التفريد البيداغوجي. إدراج وحدات في التكوين الأساس والمستمر حول تكييف الأنشطة البيداغوجية للتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة، تجنبا لنقل عبء التكيف إلى الأسرة.
التوصية 5 — تقييم أثر السياسات المنفذة. إقامة منظومة تتبع طولية تقيس أثر إلغاء الواجبات على النتائج الدراسية والمناخ الأسري ورفاه التلاميذ، وفق منهجية علمية صارمة.
الخاتمة
تتقارب المعطيات العلمية المتاحة على نتيجة واضحة: الواجبات المنزلية في المدرسة الابتدائية لا تنتج مكسبا تحصيليا مثبتا، بينما تثقل رفاه الأطفال وتوسع الفوارق الاجتماعية وتعاقب ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة. إن بقاء هذا النظام يمثل كلفة (تعب، نزاعات، إعادة إنتاج للاتفاوت) دون مقابل بيداغوجي مقنع.
لا يتعلق الأمر بإلغاء كل أشكال العمل الشخصي، بل بإعادة توزيعه على زمن مدرسي موجه ومرافق بصورة مهنية وعادلة. ينبغي أن يستعيد البيت وظيفته كفضاء لتفريغ الشحنة وتبادل الخبرات والتعلم غير الرسمي. تستلزم هذه الهيكلة الجديدة حملا سياسيا معلنا وتواصلا بيداغوجيا موجها للأسر، يطمئنها إلى أن إلغاء الواجبات ليس انسحابا، بل إعادة تموضع استراتيجية للأزمنة التربوية.
تدعو هذه الوثيقة إلى فتح حوار تشاركي بين الفرق البيداغوجية والأسر والباحثين وجمعيات أولياء الأمور، لتجاوز التقابل التقليدي «مع أو ضد الواجبات» وبناء إطار تربوي متوائم مع المعارف العلمية المعاصرة حول نمو الطفل.
المراجع
Bembenutty, H. (2011). Homework. In Encyclopedia of Educational Psychology. SAGE Publications.
Caille, J.-P. (2014). Les devoirs à la maison à l'école primaire. Éducation & formations, n° 85, MENESR-DEPP.
Conseil supérieur de l'éducation du Québec (2005). Pour soutenir une réflexion sur les devoirs à l'école primaire. Avis au ministre de l'Éducation.
Cooper, H., Robinson, J. C., & Patall, E. A. (2006). Does Homework Improve Academic Achievement? A Synthesis of Research, 1987-2003. Review of Educational Research, 76(1), 1-62.
Circulaire n° du 29 décembre 1956 relative aux devoirs à la maison à l'école primaire, Ministère de l'Éducation nationale français.
Immordino-Yang, M. H., & Deo, S. (2019). Embodiment, identity, and the developing brain: Implications for education. Mind, Brain, and Education, 13(1), 19-24.
Katz, I., Buzwell, S., Bernard, P., & Chessor, E. (2022). Parent-child conflict during homework: Implications for student motivation and family relationships. Educational Psychology, 42(7), 851-870.
Kohn, A. (2006). The Homework Myth: Why Our Kids Get Too Much of a Bad Thing. Da Capo Books.
Maltese, J. A., & Cooper, H. (2017). Homework. In Encyclopedia of Educational Philosophy and Theory. Springer.
OCDE (2014). PISA in Focus n° 37 : Les devoirs perpetuent-ils les inégalités dans l'éducation ? Paris : OECD Publishing.
Organisation mondiale de la Santé (2019). Directives mondiales sur l'activité physique, la sédentarité et le sommeil chez les enfants de moins de 5 ans.