recent
آخر المواضيع

عندما تُربك الرقمنة أحلام ما بعد البكالوريا

educa24maroc
الصفحة الرئيسية

يتكرر المشهد كل سنة، مباشرة بعد الإعلان عن نتائج البكالوريا. ودون أن يلتقط التلميذ أنفاسه بعد رحلة طويلة من الاجتهاد، أو ينعم بلحظات الاحتفاء والفرح، حتى يجد نفسه، هو وأسرته، في سباق مع الزمن لتجاوز أعطاب المنصات الرقمية، واسترجاع الحسابات، والبحث عن رموز التحقق. وهكذا تُختزل لحظة كان يفترض أن تكون عنوانًا للفرح في سلسلة من الإكراهات التقنية، ويُهدر وقت ثمين كان الأجدر أن يُستثمر في الاستعداد الجيد للمباريات.
والمؤسف أن هذا الواقع لا يربك إجراءات الترشيح فحسب، بل يُفرغ مقابلات الاستشارة والتوجيه من جوهرها. فبدل أن تكون فضاءً لمناقشة الاختيارات، وبناء المشروع الشخصي، وصناعة القرار، يصبح أول ما يشغل المتعلم هو العثور على من يساعده على تجاوز المشاكل التقنية.
ولعل أشد هذه الإشكالات وقعًا ما اشتكى منه العديد من المترشحين لمباراة ولوج المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة (ISPITS)، من عدم التوصل برمز التحقق (OTP) اللازم لإتمام إجراءات تأكيد الترشيح. وهكذا حُرم عدد من التلاميذ من ولوج مسار تكويني ومهني طالما حلموا به، لا بسبب ضعف مستواهم أو تقصير منهم، وإنما نتيجة عائق تقني خارج عن إرادتهم.
والأدهى أن معاناة هؤلاء التلاميذ وأولياء أمورهم لم تنته عند الأعطاب التقنية، بل امتدت إلى غياب تفاعل واضح مع شكايات المتضررين منهم، ودون اتخاذ إجراءات استثنائية، كتمديد آجال التسجيل أو تبسيط مسطرة تأكيد الترشيح، بما يكفل حقهم في المنافسة. فيغدو المشروع الشخصي للتلميذ بلا قيمة أمام اختلالات كان بالإمكان تداركها، ويشعر بأن جهده وطموحه لا يحظيان بما يستحقانه من عناية واعتبار. وهكذا تضيع فرصة التلميذ مرتين: مرة بسبب الخلل التقني، ومرة بسبب غياب التفاعل مع شكاياته.
ولا تقف الإشكالات عند هذا الحد، إذ تتكرر كل سنة برمجة عدد من المباريات الوطنية خلال فترة زمنية ضيقة، بل وأحيانًا في اليوم نفسه أو في أيام متقاربة، مما يجبر التلميذ على التخلي قسرًا عن مؤسسات كان يطمح إلى الالتحاق بها، فتتحول اختياراته إلى رهينة للبرمجة العشوائية للمباريات بدل أن تكون امتدادًا لمشروعه الدراسي والمهني.
إن هذه الإشكالات لا تتطلب حلولًا معقدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة تنظيمية حقيقية؛ تبدأ بالإعلان المبكر عن مباريات الولوج، وتبسيط مساطر الترشيح، والتفاعل السريع مع شكايات المترشحين، وتنسيق مواعيد المباريات بما يحفظ حق التلميذ في المنافسة على جميع الفرص المتاحة.
فالرقمنة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص والنجاعة في تقديم الخدمات. وإن الإصرار على استمرار الاختلالات دون مراجعة أو تصحيح لا يعدو أن يكون إلا شكلًا من أشكال اللامبالاة بمستقبل جيل بأكمله. لقد آن الأوان لأن تتحول مرحلة الترشيح بعد البكالوريا إلى محطة تحتفي بالكفاءة والطموح، لا إلى سباق مع الأعطاب التقنية وضيق الزمن.
 
google-playkhamsatmostaqltradent