من زاوية أفقية، يبدو المشهد كشبكة مترامية من الأعطاب المتداخلة: اكتظاظ يحول القسم إلى فضاء خانق، وقد بلغ حده إلى درجة اللجوء إلى دمج الأقسام أو المستويات، في محاولة تدبيرية ترقيعية تخفي الأزمة أكثر مما تعالجها. خصاص مهول في الأطر التربوية يثقل كاهل الموجودين، ويجعل العملية التعليمية أقرب إلى تدبير الخصاص منها إلى بناء التعلم. مناهج مفككة تراكم المعارف دون روح، وواقع اجتماعي يقتحم جدران المدرسة حاملا معه الفقر والهشاشة والعنف الرمزي. هنا، لا يتلقى التلميذ تعليما بقدر ما يلقن شظايا معرفة مبتورة، فاقدة للسياق والقدرة على بناء التفكير النقدي. المدرسة، التي كان يفترض أن تكون رافعة للترقي الاجتماعي، تحولت في كثير من الحالات إلى آلة لإعادة إنتاج التفاوت، حيث تتعمق الفوارق بدل أن تجسر.
أما عموديا، فالأزمة أكثر عمقا وخطورة. إنها أزمة رؤية قبل أن تكون أزمة وسائل. السياسات التعليمية المتعاقبة لم تبن على تصور استراتيجي متماسك، بل على إصلاحات ترقيعية تتغير بتغير المسؤولين، دون تقييم حقيقي أو مساءلة فعلية. في هذا السياق، تصبح المدرسة حقل تجارب لقرارات فوقية، تفرض من أعلى دون أن تنصت لصوت المدرس أو تستحضر واقع القسم.
وإذا كان التلميذ هو الضحية الظاهرة، فإن الأطر التربوية تعيش بدورها وضعا لا يقل هشاشة. حين نتحدث عن أطر المدرسة، فإننا نتحدث أيضا عن معاناة صامتة في المناطق النائية، حيث العزلة، وضعف البنيات، وغياب الحد الأدنى من شروط الاشتغال الكريم. المدرس، الذي كان يوما رمزا للمعرفة والهيبة، يجد نفسه اليوم محاصرا بين ضغط البرامج، وخصاص الموارد، وتراجع الاعتبار الاجتماعي. لقد تحول، في كثير من الأحيان، إلى منفذ لا مبتكر، وإلى فاعل مقيد لا منتج، يفقد تدريجيا مساحة الإبداع داخل القسم، ويكتفي بأداء وظيفي بارد.
وفي مقابل ذلك، يتشكل نموذج تلميذ جديد، لا ينتظر المعرفة بقدر ما ينتظر مرور السلايدات، حيث تتحول العملية التعليمية إلى عرض تقني سريع، بلا تفاعل ولا عمق. تعلم اللغات، الذي يفترض أن يكون مدخلا للانفتاح، اختزل في ترجمة آلية قائمة على النسخ، لا على الفهم أو الاستيعاب. فأين ترسيخ المواطنة في كل هذا؟ وأين بناء الحس النقدي والانتماء؟ حين تغيب القيم، تتحول المدرسة إلى فضاء بلا روح، يمر فيه التلميذ دون أن يترك فيه أثر أو يتأثر به.
في هذا المناخ، لا يمكن الحديث عن أزمة مستوى دراسي فقط، بل عن أزمة أخلاقية عميقة. فحين تفقد المدرسة قدرتها على بناء القيم، يصبح الغش سلوكا عاديا، ويتحول العنف إلى لغة يومية، وتختزل المعرفة في نقط تقاس لا في عقول تبنى. جيل أغلبيته يتخرج اليوم بشهادات، لكنه يفتقد لأبسط أدوات التفكير، ولأدنى حس بالمسؤولية أو الانتماء. ولم تعد المدرسة العمومية جاذبة، لا لأطرها ولا لتلامذتها، بعدما فقدت جزءا كبيرا من قدرتها على الإقناع بدورها ورهاناتها.
إن العبث الذي تعيشه المدرسة العمومية ليس قدرا، بل نتيجة تراكمات من الإهمال وسوء التدبير وغياب الإرادة السياسية الحقيقية. إنها أزمة نظام تربوي بأكمله، نظام فقد بوصلته، وتاه بين شعارات الإصلاح وواقع الانهيار.
وفي وسط هذا الركام، لا يمكن اختزال أفق الإصلاح في قرارات فوقية أو خطابات رسمية معزولة عن الواقع. هنا يبرز دور الوسيط بكل تمثلاته النقابية والتربوية والحقوقية كفاعل حي داخل المعركة، لا على هامشها. إنه ليس مجرد ناقل للمطالب، بل حامل لتجربة ميدانية متراكمة، وذاكرة نضالية مشبعة بملفات حقيقية تخص المدرسة العمومية وأطرها.
هذا الوسيط، بحكم احتكاكه اليومي بالتفاصيل الدقيقة للاختلالات، وبفضل امتلاكه لأدوات الترافع والتنظيم، مؤهل لأن يكون جزءا من هندسة الإصلاح، لا متلقيا له. دوره يتجاوز الوساطة التقنية إلى المساهمة في ترسيخ ممارسة ديمقراطية فعلية داخل المنظومة التعليمية، قوامها المشاركة، والمساءلة، والاعتراف بالفاعلين التربويين كقوة اقتراحية لا كأدوات تنفيذ.
فالإصلاح الحقيقي لا يبنى من خارج الصراع، بل من قلبه. ومن لا يعيش أعطاب المدرسة يوميا، لا يمكنه أن يعيد بناءها. لذلك، فإن إشراك هذا الفاعل الوسيط، بما راكمه من تجارب وخبرات، ليس خيارا ثانويا، بل شرطا لإعادة المعنى إلى المدرسة العمومية، ولتحويلها من فضاء للأزمة إلى أفق لإنتاج إنسان قادر على التفكير، وعلى الفعل، وعلى حماية ما تبقى من روح المجتمع.
