قال الأكاديمي الأمين العام للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فؤاد شفيقي، إن “الفِطام عن الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت أصبح أصعب من الفِطام الطبيعي عن ثدي الأم”، مبرزاً أن “التضليل ليس جديداً، إنما الطارئ فيه هو الآليات التي أصبحت معتمدة، والتي لا تقتصر على التضليل؛ فهو مجرد شق أو وجه من أوجه هذا التزييف”.
وذكر شفيقي، الثلاثاء، أثناء مشاركته في ندوة تتناول موضوع “آليات تحريف الوعي”، على هامش الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، أنه “يوجد ما يُسمى بالتلاعب الخوارزمي، حيث تتمكن خوارزميات معينة من السيطرة على عقل الإنسان ووجدانه”، مستدلاً بملاحظات -لا تسندها بعد دراسات دقيقة- تؤكد أنه كلما لجأت الأسرة إلى تقنين استعمال الإنترنت، بدأت التوترات داخل البيوت، خصوصاً مع الأبناء في مراحل عمرية معينة.
وتحدث الخبير التربوي عن “ما يُسمى بفقاعات الترشيح، التي تُستعمل لخلق مجتمعات انطوائية ومنغلقة على نفسها”، مبرزاً أنه “حين تشتغل الخوارزميات، تضع الفرد في مرحلة ملاحظة لفترة من الزمن؛ يرافقه ‘جاسوس’ في جيبه، يلتقط المعلومات مع كل حركة”، وتابع: “الجهات المضلِّلة اليوم أصبحت جهاتٍ أفقية، لا عمودية كما في السابق”، مضيفاً أنه “بمجرد تجميع قدر كافٍ من المعطيات عن الفرد، يصبح من السهل إدخاله في فقاعة معلوماتية تُغلق عليه”.
وإلى جانب الخوارزميات وفقاعات الترشيح، يوجد،حسب المتحدث، ما يُسمى بـ”خوارزميات اقتصاد الانتباه، التي تقوم أساساً على الاستحواذ على انتباه الفرد لأطول مدة ممكنة”، مضيفاً أنه “كلما ازداد انغماس الفرد، زاد استغلاله”، مقترحاً لمواجهة ذلك استحضار أربعة أبعاد: التضليل، واقتصاد الانتباه، والخوارزميات، وفقاعات الترشيح، للوصول إلى التساؤل الجوهري: ما الذي يمكن للمدرسة أن تقوم به أمام هذا التحدي الجسيم؟
وأجاب شفيقي بأنه “توجد اليوم كتابات حديثة لمفكرين وفلاسفة ومربين، أغلبها صدر في السنوات الأربع الأخيرة، تكاد تتفق على ضرورة التمييز بين الفئات العمرية؛ لأن لكل فئة خصائصها”، مبرزاً أنه “إذا أردنا الاشتغال تربوياً، وجب الانطلاق من هذه الخصائص عبر التدخلات التربوية المقترحة؛ وأولها مستنبط من تحليل تعامل الأطفال الصغار مع الصور، واستعمال القصص التي تتضمن معلومات خاطئة ويُطلب من الأطفال اكتشافها، مما ينمي لديهم مهارة الملاحظة والتفكير النقدي”.
التعاطي مع التضليل
من جهته، اختار الباحث حسن المكراز التداول في موضوع “آليات تضليل الرأي العام واستراتيجيات مواجهته”، معتبراً أن “الرهان هو تبيين أن التضليل يشكل ظاهرة شديدة الخطورة على التماسك الاجتماعي والأسري، بل وحتى على مستوى الفرد”، مؤكداً ضرورة بناء خطة استراتيجية شاملة من أجل مواجهته؛ وهو ما يستدعي فهم المقصود بالتضليل، واستيعاب التطورات التي عرفها.
وسجل المكراز أن “هذا يُمكّن من إبراز الآليات المعقدة التي يتوسل بها المضلِّلون سبيلاً لإحكام السيطرة على الرأي العام، عبر توجيه قناعاته وهندسة تصوراته وتمثلاته حول ذاته والواقع”، متطرقاً إلى الحقل الدلالي المرتبط بالموضوع، ومنطلقاً من تعريف كلاسيكي لهذا المفهوم يعرّفه بكونه “تأثيراً في الغير من أجل إبعاده عن الصواب”، مما يعني وجود علاقة ثلاثية في التضليل بين: فاعل مُضلِّل، ومفعول به مُضلَّل، ونتيجة أو قصد أو أثر.
وأعلن الأكاديمي ذاته رفضه للأسس التي يقوم عليها هذا المفهوم، مفيداً بأن “التعريف الكلاسيكي يستند إلى بُعد معياري أخلاقي ينظر إلى الحقيقة بوصفها مبدأً ثابتاً تُقاس في ضوئه جميع الأحكام، وهذا لم يعد معتمداً في الفكر المعاصر”، مضيفاً أن “الحقيقة لم تعد شيئاً قبلياً أو مبدأً ثابتاً سابقاً، بل أصبحت منظومة معرفية وسياسية متشابكة، تتشكل داخل أنظمة خطابية في ارتباط بموازين القوى وعلاقات السلطة”.
وعليه، لم يعد السؤال -وفق المتحدث- “منصباً على البحث عن ماهية الحقيقة وأسسها، بقدر ما أصبح متعلقاً بآليات إنتاجها: كيف تُصنع التصورات؟ وكيف تُبنى التمثلات؟”، معلناً رفض مبدأ آخر يتمثل في “اختزال التصور الكلاسيكي للتضليل في القصد والنية؛ والحال أن التضليل المعاصر قد يكون مقصوداً وقد يكون غير مقصود، وهو ما تعبر عنه المصطلحات الفرنسية: (désinformation) و(misinformation)”.
إن التضليل، حسب المكراز، “أوسع من أن يُحصر في النية، لأنها ليست معياراً حاسماً في تحديد طبيعته”، منتقلاً بعدها إلى “المبدأ الثالث المرفوض وهو حصر التضليل -في التصور الكلاسيكي- في الحالة الفردية؛ بينما أصبح التضليل المعاصر هندسة جماعية، أي منظومة متكاملة تروم صناعة الرأي العام عبر توجيه قناعاته وتمثلاته، بشكل غير واعٍ، أو على نحو لا يخضع لوعي كامل”.
أحكام قيمة
من جانبه، صرّح حمادي أنور، الباحث في الفلسفة والعلوم الإنسانية، بأن “مسألة الإشكالات الزائفة تُعد من النقاط الأساسية الأولى التي تفضي إلى تحريف الوعي”، موضحاً أن “الأجوبة والمفاهيم غالباً ما تستبد بنا، مما يجعلنا نغض الطرف تماماً عن الإشكالات”، مبرزاً أنه “عندما نقع ضحية إشكالات زائفة، قد نقضي حياتنا طولاً وعرضاً بحثاً عن أجوبة هي في الأصل محاولة لتجاوز إشكال زائف، فنغوص بذلك في زيف أكثر تعقيداً”.
وركز أنور في كلمته على “الوعي وآليات تحريفه”، منطلقاً من كون الحديث عن “تحريف الوعي” ينطوي ضمناً على حكم قيمة، وتساءل: “عندما نقول وعي محرَّف، يكون ذلك قياساً إلى أي وعي آخر؟ فبأي معيار نقيس؟ وبأي وعي يحق لنا أن نحكم على وعي ما بأنه محرَّف؟ وفي الأخير، من يملك سلطة إصدار الحكم على أي وعي بأنه محرَّف حقاً؟”.
واعتبر الباحث ذاته أن “الوعي المحرَّف هو، تقريباً، وعي غير نقدي ووعي لا يفكر”، محيلاً إلى الفيلسوف شوبنهاور الذي يقول: “لو أرادت الطبيعة للإنسان أن يفكر، لما منحته أذنين، أو لجعلت هاتين الأذنين مزودتين بصمامات كتلك التي يمتلكها الخفاش”، مبرزاً أن “الأذن” هنا تحيل إلى ضرب من المعرفة يسميه سبينوزا “معرفة القيل والقال”، وهو ما يفضي إلى وضعية يعيشها الإنسان اليوم في ظل الرقمنة والإعلام.
واعتبر المتحدث أن هذا الوضع ينم عن حالة من “الجلبة والضوضاء” بفعل كثرة المعلومات المتدفقة، مما جعل الإنسان ضحية تتقاذفه المسموعات وفقد معها القدرة على التفكير. وتابع أنور تساؤله: “لماذا لا يفكر الإنسان الذي أصبح وعيه مزيفاً أو محرفاً؟”، ليرجع ذلك إلى كونه أصبح يقلد ويتبع من جهة، ومن جهة أخرى، مستنداً إلى فكرة للفيلسوف هايدغر، فإنه حين تساءل عما يجعلنا نفكر أو لا نفكر، خلص إلى أن ما يجعلنا نفكر حقاً هو أننا “لم نفكر بعد”.
