recent
آخر المواضيع

تربية تفرض على المدرسين أن يكونوا قدوة للأطفال

 

محمد رياض أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي

التربية على الاعتراف بالجميل 

تربية تفرض على المدرسين أن يكونوا قدوة للأطفال

قد لا يحتاج الموظف، خصوصا إذا كان مربيا، إلا كلمة اعتراف، تأتيه سواء بالأقوال أو الحوال، من زملاء أو رؤساء أو من تلاميذ سابقين. ففي هذه المهنة الفقيرة والمتعِبة، والتي تستهلك كل الطاقات النفسية والجسدية والعصبية تنمو داخل كل مرب الحاجة ليرى صدى ما اجتهد فيه والتزم به من مبادئ أخلاقية وبيداغوجية وقد أصبحت واقعا شاخصا. وفي هذا النص السردي الجميل، يصر الأستاذ محمد رياض إلا أن يتقاسم مع قراء «الأخبار» مشاهد غاية في الإنسانية، عنوانها «ثقافة الاعتراف».


ما أجمل أن يترك الإنسان حين يحل في مكان ما وحين يرحل عنه إلى وجهة أخرى بصمة جميلة وذكرى طيبة يستحق عليها كل الثناء والتقدير والاعتراف بالجميل..

أتذكر أنني انتقلت، ذات بداية عام دراسي جديد، إلى حجرة دراسية جديدة في الجناح المقابل.. وجدت الحجرة وباقي حجرات هذا الجناح القديم مزينة بلوحات فنية بديعة تحتفي بالطبيعة والأخلاق والعلم.. شعرت وسط جدران هذه الحجرة وكأنني خارج الزمان والمكان اللذين أوجد فيهما حقيقة ذلك الوقت: شلالات متدفقة وأشجار ونخيل وأزهار رسمت بيد فنان مبدع لم يكن غير زميلي مدرس اللغة العربية آنذاك..

فنان حقا فهو رسام وخطاط هو من خط تلك العبارات الجميلة على كل جدران الحجرات الخارجية وأودع فيها كل موهبته الفنية وحسه الجمالي الراقي.

سألت التلاميذ وأنا أوزع نظراتي بينهم وبين هذه اللوحات الجميلة:

ـ ما الذي يمنح الإنسان ذلك الشعور الجميل بقيمة جهده وعطائه؟

لم أنتظر طويلا وجاء الجواب، بين أجوبة متقاربة، من أحدهم: الاعتراف بالجميل.

وواصلت أسئلتي:

ـ هل بادر أحدكم يوما للاعتراف بالجميل لأحد ممن ساعدكم أو قدم لكم خدمة؟

صمت الجميع.. وكان لابد من الحديث عن هذه الخصلة الطيبة والقيمة الجميلة التي نتجاهلها ونفتقد إليها في سلوكنا اليومي فلا ندري آثارها وأبعادها ولا أصداءها في الذوات.. يجب أن تترسخ هذه الفضيلة في الأذهان وتتجسد في السلوك، ولذلك كان لا بد من حفزهم على كتابة كلمة تقدير لهذا المدرس المبدع على كل ما فعل حتى صار هذا الفضاء الذي يدرسون فيه فضاء مفعما بالحياة ناطقا بالجمال.

كنت أتساءل مع نفسي:

ـ  ماذا لو يصبح الاعتراف بالجميل حاضرا في حياتنا نأخذه كتعامل راق أينما حللنا وارتحلنا؟

ماذا لو نجعله مبدأ في حياتنا الاجتماعية وفي كل تعاملاتنا مع الآخر؟ ماذا لو يصبح الاعتراف بالجميل ثقافة ودافعا ومحفزا لنا على الاستمرار في العطاء؟

نعم، يمكن أن يتحقق ذلك بالتربية والقدوة التي نكونها نحن الراشدون..

نعم..  إذا أردنا أن يكون أبناؤنا مقرين بالجميل معترفين بأفضال الآخرين عليهم، فينبغي أن نكون نحن كذلك مع الآخرين.. وبذلك نغرس في نفوسهم الوفاء للعمل الطيب ونعودهم على مقابلة الإحسان بالإحسان.

كم نشعر بالفخر والارتياح والرغبة في مواصلة العطاء ونحن نسمع في مرات متعددة أشخاصا يعبرون عن شكرهم وامتنانهم لنا على فكرة أو خدمة أو عمل مهما كان حجمه قدمناه لهم وكان له مفعوله وأثره الجميل عليهم.. وكم يبدو لنا هؤلاء الذين قدموا شكرهم وعبروا عن اعترافهم بالجميل أشخاصا رائعين ناضجين اجتماعيا وعاطفيا.

أذكر أن هذه القيمة كانت موضوعا وشعارا لنشاط ثقافي فني كنت أشرف عليه في إحدى المؤسسات التعليمية التي كنت أشتغل بها.. كان النشاط ينظم سنويا ويحمل اسم «حلقة المبدعين» .استوحي هذا الاسم من عنوان الفيلم الأمريكي الشهير «حلقة الشعراء المفقودين» للمخرج بيتر وير وبطولة روبير ويليامز، وهو فيلم برسالة تربوية وإنسانية تحمل قيم الحرية والإبداع ودورها في التغيير. وقد صار النشاط تقليدا ارتقى مستوى الإعداد له و تنظيمه لينتظم في حفل ثقافي فني رائع يتزامن موعده عادة مع مناسبة من المناسبات العالمية: اليوم العالمي للشعر، اليوم العالمي للمرأة، اليوم العالمي للأرض، اليوم العالمي للكتاب..

وقد كان النشاط فرصة لرصد الطاقات الإبداعية الكامنة لدى التلاميذ وفسح المجال لهم للتعبير عما لديهم من قدرات على الخلق والإبداع.

كان اختيار موضوع الحلقة لذلك العام اختيارا مناسبا، وقد سبق يوم تقديم النشاط، في حلته الثقافية والفنية والإبداعية، ورشات تدريبية كانت إحداها مخصصة لكتابة رسائل اعتراف بالجميل لأشخاص يتذكرهم التلاميذ بالأثر الجميل الذي خلفوه لديهم..

كان جميلا ما أبدعوه ساعتها.. جل الرسائل كانت موجهة إلى آباء ومدرسين ومدربين تحكي قصصا عن أشياء استوجبت أن تحضر وقتها لغة المحبة والامتنان والعرفان، وقدمت هذه الكتابات الإبداعية أمام التلاميذ والمدرسين وكان من بينهم من تعنيه هذه الرسائل الجميلة المفعمة بالمشاعر الصادقة.

وكانت بذلك حلقة ذاك العام متميزة.

ما كتبته إحدى التلميذات كان عملا إبداعيا مؤثرا وصادقا عن مدرسها الذي تدين له بالجميل في ما اكتسبته من قدرة على تحدي إحدى الصعوبات التي كانت تواجهها في تحصيلها الدراسي وتشيد بطريقته في تجاوز محنتها.. كتبت كل ذلك بأسلوب جميل يفيض صدقا وحبا وامتنانا.

كم كانت فرحة ذلك المدرس بيننا شديدة حين استقبل رسالة هذه التلميذة وقد قدمت أمامه وأمام زملائه خلال هذا الحفل.

مهما كان حجم الاعتراف بالجميل فإنه أحيانا لا يفي من أسدوا إلينا معروفا وأحسنوا إلينا صنيعا حقهم: آباؤنا وأمهاتنا، مدرسونا، أصدقاؤنا، وآخرون تركوا بصمات جميلة في نفوسنا ورسموا الفرحة على وجوهنا أو جادوا بمبادرة طيبة أو فكرة صائبة في أذهاننا قادتنا إلى النجاح.. يستحقون أن نعترف لهم بالجميل.

ففي الاعتراف بالجميل نبل ووفاء وعرفان وحافز على البذل والعطاء  المتواصل، ولابد إذن من العمل على ترسيخ هذه القيمة التربوية والاجتماعية في نفوس الناشئة وسلوكها بكل الوسائل الممكنة لما لها من آثار تجعل شعلة العطاء والبذل مستمرة تضيء دروب ومسالك الحياة والعلاقات الاجتماعية.

google-playkhamsatmostaqltradent