recent
آخر المواضيع

30 ساعة لأستاذ الابتدائي.. عندما تنتصر العادة على القانون

 

منذ عقود، يجري التعامل مع 30 ساعة أسبوعيا بالنسبة لأستاذ التعليم الابتدائي وكأنها قاعدة قانونية ثابتة لا تقبل النقاش، حتى أصبح مجرد طرح السؤال عن مصدرها القانوني يبدو لدى البعض وكأنه خروج عن المألوف.


والحال أن العودة إلى النصوص المنظمة لوضعية موظفي وزارة التربية الوطنية تضعنا أمام سؤال بسيط، لكنه في الوقت نفسه عميق: أين يوجد النص القانوني أو التنظيمي الذي ينص صراحة على أن أستاذ التعليم الابتدائي ملزم بـ30 ساعة تدريس أسبوعيا؟


السؤال ليس ترفا قانونيا، ولا محاولة للتهرب من العمل، ولا بحثا عن امتياز لفئة دون أخرى، وإنما يتعلق بمبدأ أساسي يفترض أن يحكم الإدارة العمومية: الالتزام المهني لا يبنى على العادة وحدها، ولا على ما استقر عليه العمل الإداري، وإنما على سند قانوني أو تنظيمي واضح ومحدد.

وإذا كان هذا النقاش قد يبدو اليوم جديدا، فإن الأمر ليس كذلك تماما. فهناك، على الأقل، استثناء تاريخي ينبغي التوقف عنده، ويتعلق بالنظام الأساسي لسنة 1985، الذي جاء في سياق تكريس ما كان يعرف آنذاك بـ”الساعات التضامنية”. وهذا المعطى مهم، لأنه يعني أن البحث في أصل الـ30 ساعة لا يمكن أن يتجاهل المرحلة التي انتقلت فيها مدة التدريس من وضع سابق إلى صيغة ارتبطت بالساعات التضامنية.


لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو هل استمرار العمل بهذه الساعات لعقود يجعلها تلقائيا جزءا دائما من الالتزام المهني للأستاذ، أم أن طبيعتها التاريخية والظرفية تقتضي إعادة النظر في أساسها القانوني؟

فالمرسوم رقم 2.02.854 الصادر في 10 فبراير 2003 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، وهو من أهم النصوص التي نظمت وضعية أساتذة التعليم، لم ينص في مادته 15 على أن أستاذ التعليم الابتدائي يشتغل 30 ساعة أسبوعيا، وإنما نص على أن مدة التدريس الأسبوعية لأساتذة التعليم الابتدائي تحدد بقرار مشترك بين السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية والسلطة الحكومية المكلفة بالوظيفة العمومية.


وهذه العبارة ليست تفصيلا لغويا يمكن تجاوزه. فعندما ينص المرسوم على أن مدة التدريس “تحدد بقرار مشترك”، فإنه يكون قد حدد الأداة القانونية التي ينبغي أن يتم بواسطتها تحديد هذه المدة. وبالتالي، فإن البحث عن الأساس القانوني للـ30 ساعة ينبغي أن يقود، قبل أي شيء، إلى القرار الذي أحالت عليه المادة 15، وليس فقط إلى المذكرات التدبيرية أو استعمالات الزمن أو الوثائق البيداغوجية التي جاءت في مراحل لاحقة. 

والمفارقة أن المرسوم نفسه لم يكن يميز، في هذه النقطة، بين أساتذة التعليم الابتدائي وأساتذة التعليم الثانوي. فالمادة 21 بالنسبة لأساتذة التعليم الثانوي الإعدادي، والمادة 26 بالنسبة لأساتذة التعليم الثانوي التأهيلي، تحيلان بدورهما على قرار مشترك لتحديد مدة التدريس الأسبوعية.


أي أن مدد التدريس في مختلف الأسلاك كانت، وفق المرسوم المذكور، تحتاج إلى سند تنظيمي يحددها.


وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق النقاش. إذا كان تحديد مدة التدريس يحتاج إلى نص تنظيمي، فكيف تحولت الـ30 ساعة في التعليم الابتدائي إلى حقيقة قانونية مفترضة لمجرد أنها ظلت مطبقة لسنوات؟

هناك من يربط ساعات عمل الأستاذ في السلك الابتدائي بالزمن المدرسي للمتعلم. غير أن الواقع العملي في باقي الأسلاك يبين أن عدد ساعات حضور التلميذ في المؤسسة ليس هو نفسه عدد ساعات التدريس التي يؤديها الأستاذ.


فأستاذ التعليم الثانوي التأهيلي يشتغل، في الغالب، في حدود 21 ساعة أسبوعيا، وأستاذ التعليم الثانوي الإعدادي في حدود 24 ساعة، في الوقت الذي يظل فيه التلميذ داخل المؤسسة ويستفيد من حصص تفوق بالضرورة عدد ساعات التدريس التي يؤديها أستاذ بعينه.



والسبب واضح؛ الأستاذ في الثانوي لا يدرس جميع المواد، ولا يلازم التلميذ طوال الزمن المدرسي، وإنما يؤدي حصته التدريسية المرتبطة بمادته وبعدد الأقسام المسندة إليه.


ومن هنا يصعب فهم المنطق الذي يجعل أستاذ التعليم الابتدائي استثناء، بحيث يتم الربط بين عدد ساعات تمدرس التلميذ وعدد ساعات التدريس التي يؤديها الأستاذ، وكأن الأستاذ مطالب بتغطية كامل الغلاف الزمني الذي يقضيه المتعلم داخل المؤسسة.


إذا كان التلميذ في الابتدائي يدرس 30 ساعة، فهذا لا يعني تلقائيا أن أستاذ الابتدائي يجب أن يدرس 30 ساعة. وإذا كان تلميذ الثانوي يدرس أكثر من ساعات الأستاذ المكلف بتدريسه، فلا أحد يقول إن الأستاذ مطالب باستكمال ساعات التلميذ حتى يصل إلى غلافه الزمني.


ومن حق أساتذة التعليم الابتدائي أن يتساءلوا: لماذا يتحول غلاف التلميذ إلى غلاف للأستاذ في سلكهم فقط؟. هذه النقطة تستحق مراجعة هادئة، لأنها تكشف خلطا بين مفهومين مختلفين وهما الزمن المدرسي للمتعلم، والزمن التدريسي للأستاذ.


والأخطر أن هذا الخلط يجد طريقه أحيانا إلى الممارسة الإدارية، حيث يجري التعامل مع 30 ساعة باعتبارها أمرا بديهيا، ثم البحث عن المبررات بعد ذلك، بدل البحث أولا عن النص الذي أنشأ الالتزام.


قد يقول قائل إن 30 ساعة أصبحت ممارسة مستقرة، وإن الوزارة تعمل بها منذ عقود، وإن استعمالات الزمن والوثائق التربوية تؤكدها. وهذا صحيح من حيث الواقع الإداري، لكنه لا يحسم وحده مسألة السند القانوني.


فالوثيقة التربوية، مهما كانت أهميتها في تنظيم العملية التعليمية، ليست بالضرورة في مرتبة المرسوم أو القرار التنظيمي الذي يحدد التزاما مهنيا على الموظف. والمذكرة الوزارية، من جهتها، لا تتحول تلقائيا إلى نص تنظيمي منشئ لالتزام جديد إذا كانت تتجاوز الإطار الذي رسمه النص الأعلى.


بل إن المرسوم الحالي رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024 أعاد طرح المسألة من أساسها. فالمادة 68 تنص على أن مدة التدريس الأسبوعية لأطر التدريس تحدد بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية، بعد استطلاع رأي اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج، ثم تضيف مقتضى انتقاليا واضحا: إلى حين صدور هذا القرار ونشره في الجريدة الرسمية، يستمر العمل بمدد التدريس الأسبوعية المعتمدة قبل دخول المرسوم حيز التنفيذ.


وهذا المقتضى مهم جدا، لأنه لا يقول إن المرسوم رقم 2.24.140 حدد 30 ساعة بالنسبة لأستاذ التعليم الابتدائي، وإنما يقول إن قرارا جديدا سيحدد مدة التدريس، وإلى حين صدوره تستمر المدد السابقة.


وبالتالي، فإن الاستناد إلى المادة 68 للقول إن المرسوم الجديد نفسه حدد 30 ساعة سيكون قراءة غير دقيقة. المرسوم أبقى الوضع السابق بصفة انتقالية، ولم يضع رقما جديدا لمدة التدريس.


وهنا نصل إلى أصل آخر من أصول هذا النقاش وهو ما يعرف تاريخيا بـ”الساعات التضامنية”. المصادر التي تناولت الموضوع تربط بداية العمل بما سمي “الساعات التضامنية” بخطاب للملك الراحل الحسن الثاني سنة 1983، وتشير إلى أن النظام السابق كان يحدد بالنسبة لأساتذة التعليم الابتدائي 26 ساعة، قبل أن ترتفع المدة إلى 30 ساعة، في سياق تغيرت فيه أيضا مدد التدريس في السلكين الإعدادي والتأهيلي.


ومع مرور أكثر من أربعة عقود، يبرز سؤال حول ما إذا كانت هذه الساعات قد نشأت في سياق اقتصادي واجتماعي استثنائي، وتم تقديمها باعتبارها مساهمة تضامنية من نساء ورجال التعليم، فهل ما زلنا اليوم أمام “ساعات تضامنية”؟


إذا كانت الإجابة نعم، فأين هو الطابع المؤقت لهذا التضامن؟ وإذا كانت الإجابة لا، وأنها أصبحت جزءا دائما من الالتزام المهني، فأين النص الذي نقلها من إجراء تضامني مرتبط بظرفية معينة إلى قاعدة تنظيمية مستقرة؟


فالتضامن، بحكم طبيعته، يرتبط بظرفية وغاية محددتين. وإذا تحول الإجراء الاستثنائي إلى التزام دائم، فإن من المنطقي أن يعاد تأطيره بنص واضح يحدد طبيعته ومدته وكيفية احتسابه وآثاره.


أما أن تستمر ساعات معينة لعقود، ويظل اسمها “تضامنية”، بينما يؤديها الأستاذ باعتبارها التزاما مهنيا دائما، فذلك يطرح إشكالا يستحق النقاش من الناحيتين القانونية والمهنية.


ولذلك، فإن الحل لا ينبغي أن ينحصر بالضرورة في حذفها، وإنما يمكن أن يكون في إعادة تأطيرها بشكل واضح: إما إنهاء العمل بما يسمى الساعات التضامنية، أو تنظيم الساعات التي تتجاوز مدة التدريس الأصلية باعتبارها ساعات إضافية اختيارية ومؤدى عنها وفق قواعد محددة.


وهذا ليس نقاشا نظريا فقط، فقد وصل الموضوع بالفعل إلى البرلمان. فالسؤال الشفوي رقم 16979، المسجل بمجلس النواب حول “التأطير القانوني والتنظيمي للساعات التضامنية لنساء ورجال التعليم”، يتساءل صراحة عن الإطار القانوني والتنظيمي الذي تستند إليه الوزارة في استمرار العمل بهذه الساعات، وعن إمكانية حذفها نهائيا أو اعتمادها كساعات إضافية مؤدى عنها. وتظهر الصفحة البرلمانية أن السؤال لم يجب عنه بعد.


كما أن السؤال البرلماني رقم 17608 حول مطلب تقليص ساعات العمل في التعليم الابتدائي، والذي حدد تاريخ جوابه في 11 ماي 2026، أشار إلى 30 ساعة أسبوعيا في الابتدائي مقابل 24 ساعة في الإعدادي و21 ساعة في التأهيلي، وربط الموضوع كذلك بما يعرف بالساعات التضامنية.


وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد نقاش داخل المؤسسات التعليمية أو بين الأساتذة والإدارات، وإنما أصبحت مطروحة رسميا داخل المؤسسة التشريعية.


لكن ربما أكثر الحالات التي تكشف تعقيد الوضع هي حالة أساتذة اللغة الأمازيغية المتخصصين. فالمذكرة الوزارية رقم 130 بتاريخ 12 شتنبر 2006، المنظمة لتدريس اللغة الأمازيغية وتكوين أساتذتها، شكلت لسنوات مرجعا في تنظيم تدريس هذه المادة. وتشير الوثائق المرتبطة بالموضوع إلى اعتماد ثمانية أفواج، بثلاث ساعات لكل فوج، أي 24 ساعة أسبوعيا للأستاذ المتخصص.


وهنا تظهر المشكلة بصورة أوضح. أستاذ متخصص في الأمازيغية يشتغل 24 ساعة بحكم طبيعة تخصصه وتنظيم تدريس مادته، ثم يقال له: أنت أستاذ تعليم ابتدائي، وبالتالي يجب أن تعمل 30 ساعة.


لكن أين النص الذي يقول إن صفة “أستاذ التعليم الابتدائي” تلغي خصوصية التخصص وتفرض 30 ساعة، أو أن كل أستاذ ينتمي إلى إطار التعليم الابتدائي يجب أن يؤدي بالضرورة العدد نفسه من الساعات، مهما اختلفت طبيعة مهمته؟


مجرد القول “لأنك أستاذ التعليم الابتدائي” ليس في حد ذاته نصا قانونيا. وهذا ما يجعل وضع أساتذة الأمازيغية كاشفا لجوهر المشكلة، حين تكون هناك مقتضيات تحدد طبيعة العمل وعدد الأفواج والحصص، ثم يتم تجاوزها استنادا إلى قاعدة عامة مفترضة مفادها “كل أستاذ ابتدائي = 30 ساعة”، فإننا لا نكون أمام تطبيق آلي لنص واضح، وإنما أمام تأويل إداري يحتاج هو نفسه إلى سند قانوني وتنظيمي واضح.


وقد يصل الأمر إلى استفسار الأستاذ أو مساءلته إداريا بسبب عدم استكمال 30 ساعة، بينما يظل السؤال الأول الذي ينبغي طرحه هو: ما هو النص الذي يفرض عليه هذه الساعات؟


ليس المقصود هنا التشكيك في سلطة المدير أو المفتش، ولا تعطيل السير العادي للمؤسسة، وإنما المطالبة بأن تكون التعليمات الإدارية قابلة للإسناد إلى نص واضح، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفرض التزام مهني أو ترتيب آثار إدارية على عدم تنفيذ عدد محدد من الساعات.


ومن غير المنطقي أن يكون الأستاذ مطالبا بإثبات النص الذي يحميه، بينما لا يطلب من الجهة التي تلزمه بعمل إضافي أن تحدد له النص الذي تستند إليه في هذا الإلزام.


ومن الناحية التربوية أيضا، فإن تقليص ساعات التدريس المباشر للأستاذ لا يعني تقليص العمل. فالأستاذ يحتاج إلى وقت للإعداد، والتقويم، وتصحيح الأعمال، وتتبع المتعلمين، والتكوين، والتنسيق، والمشاركة في الحياة المدرسية، والتواصل مع الأسر، وغيرها من المهام التي لا تظهر كلها في خانة الحصة الدراسية.


وفي نهاية المطاف، فإن أدق ما يمكن قوله في هذا الملف ليس إن 30 ساعة “غير قانونية” بصورة قطعية، لأن الحسم في هذه المسألة يحتاج إلى فحص شامل لمختلف النصوص والقرارات والمذكرات التاريخية ذات الصلة، وقد يتطلب، عند الاقتضاء، حكما قضائيا يحسم في مدى قوة كل سند.


لكن يمكن القول إن من يفرض 30 ساعة على أستاذ التعليم الابتدائي باعتبارها التزاما قانونيا قاطعا، ثم يستند فقط إلى ممارسة قديمة أو وثيقة بيداغوجية أو مذكرة لا ترقى في حجيتها إلى النص التنظيمي المحدد للمدة، يكون قد تجاوز السؤال الأساسي المتعلق بمصدر الإلزام.


وهنا تبرز الحاجة إلى تدخل تنظيمي واضح يضع حدا للاجتهادات المحلية. فالمدير لا ينبغي أن يكون مضطرا إلى تفسير نص غامض، والمفتش لا ينبغي أن يكون مضطرا إلى الاجتهاد في تحديد ساعات الأستاذ، والأستاذ لا ينبغي أن يظل في كل موسم دراسي أمام قراءة مختلفة لوضعيته، خصوصا في الحالات الخاصة مثل أساتذة اللغة الأمازيغية المتخصصين.


ما يطلبه الأساتذة اليوم بسيط وهو نص واحد، واضح، منشور، يحدد مدة التدريس الأسبوعية لكل سلك، ويفصل بين زمن المتعلم وزمن الأستاذ، ويحدد بدقة الفرق بين ساعات التدريس وساعات العمل، ويضع حدا للالتباس المرتبط بما يسمى “الساعات التضامنية”.

30 ساعة لأستاذ الابتدائي.. عندما تنتصر العادة على القانون
Educa 24

اقرأ أيضًا

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent