recent
آخر المواضيع

إخراج المتعلم من الفصل

Educa24
الصفحة الرئيسية

📌إخراج المتعلم من الفصل: نحو مقاربة متكاملة للظاهرة
✍توطئة:
لا خلاف حول انتشار ظاهرة إخراج المتعلم من الفصل في مدرستنا العمومية، وخاصة في السلكين الإعدادي والتأهيلي.. وأسبابها كثيرة متنوعة تعود في مجملها إلى انسداد تواصلي تام، يكون فيه الإقدام على إخراج المتعلم هو الحل الوحيد أمام المدرس قبل أن يتطور الأمر إلى فوضى لا تنضبط فيها ردود الفعل بضوابط العقل والتربية.
إن موجة الحقوق الفردية التي تتدفق عالميا عبر مختلف الوسائط جعلت الوصفة التواصلية القديمة في المدرسة، والتي كانت تتلخص في هيمنة الأستاذ على كل أبعاد العلاقة مع متعلميه، وخضوعهم المطلق لأوامره ونواهيه دون مراجعة ولا نقاش.. جعلتها تتراجع إلى حد الانقراض، لينفتح المجال أمام قواعد تواصلية جديدة تنبني على الندية ورفض الوصاية وانتفاخ روح التمرد والرغبة في الظهور أمام الأقران، في زمن تورم جسد المدرسة العمومية بأورام أخرى في علاقتها بالنسق المجتمعي عامة.
من هنا صار تدبير المشكلات التواصلية الطارئة بطرائق الضبط نفسها مدعاة لتزايد ردود مقاومة ورافضة من قبل المتعلمين.. مما يجعل الأستاذ – تحت ضغط الانفعال والتوتر المفهومين- يلجأ إلى طرد التلميذ خارج الفصل لعل الجو يصفو أمامه لمواصلة عمله التدريسي، وقطعا – فيما يرجو- لدابر أي محاولة مستقبلية للخروج عن ضوابط الجماعة الصفية.
لكن.. رغم تنامي اللجوء إلى هذا الإجراء الردعي، مازال الشغب والعنف والتوتر في فضاءات التعلم مظاهر تتمدد باستمرار.. ومازال التلاميذ الذين يطردون من حصص الدراسة يعودون إلى سابق أفعالهم في حالات عود متكررة.
📌أسئلة عالقة في سياقات تربوية جديدة:
في العقود السابقة كان الفصل فضاء للتعليم والتربية بصورة واضحة لا جدال فيها.. ومازالت الأجيال السابقة تتحدث بذكريات التلقي القيمي الذي نالته في صفوف الدراسة، حين كان المدرس يفرض إلى جانب مهمته التعليمية أنساقا سلوكية وقيمية على جماعة متعلميه، باستخدام وسائل ضبط تمتح في غالبها من قوة الشخصية، وصرامة التدخل، ولائحة متنوعة من العقوبات الرادعة.
ولم يكن للمتعلم في هذه الأجواء إلا أن يستسلم ويخضع، وينخرط في مسار الاستجابة التامة لأوامر المدرس بلا نقاش، وكانت الأسرة تسير على الوزان نفسه، تتحالف مع المدرسة لإخضاع المتعلم، ولا تقبل منه سوى مزيد من الخضوع للمعلم.
هذه السياقات التربوية كانت استجابة طبعية لنسق اجتماعي وثقافي يكرس سماتها المذكورة أعلاه.. لكن التحول الذي هبت رياحه القوية على الكرة الأرضية قاطبة عصفت بكل هذه النماذج التقليدية، ولم يعد بالإمكان استمرار نفس التعاطي التربوي وسط أجيال تمتح قيمها وأخلاقها من وسائط ومنابع تدحرجت فيها المدرسة لتقبع أسفل القائمة.
هذه التحولات القيمية العنيفة اقتحمت المدرسة، ولم يعد بإمكان المدرس السير على خطى أسلافه في التعامل الضبطي مع متعلمين جدد، لا يقبلون السيطرة ولا الهيمنة، ولا يؤمنون بضرورة الاستسلام والخنوع لغيرهم مهما كان.
وسط هذا السياق الاجتماعي والثقافي والتربوي المرتبك، ترتفع أمامنا أسئلة محيرة من قبيل:
هل مازال أمر الهيبة والسلطة التربوية للمدرس أمرا محوريا في علاقته مع متعلميه؟
هل مازالت المدرسة بأنماط اشتغالها التقليدية قادرة على الاستجابة لمتغيرات الذوات المتعلمة المطبوعة بالرغبة في التحرر والتجديد، وسرعة الملل، وعدم القدرة على التركيز الطويل؟
هل مازالت قائمة المخالفات السلوكية الصادرة من متعلمي الأمس صالحة لاعتبارها كذلك في أجيال اليوم؟
🔸️خذ مثلا:
عدم إحضار اللوازم المدرسية في السنوات الماضية كان أمرا معيبا ومنقصة في حق المتعلم، أما اليوم فكثير من المتعلمين يتنافسون باسم البطولة والرجولة في عدم إحضارها. وعدد من المتعلمين النجباء الذين يحضرون لوازمهم يتعرضون لكثير من التنمر والاستصغار من أقرانهم؟؟
هذه الأسئلة الكبرى تلد لنا فراخا من أسئلة صغرى بشأن الظاهرة موضوع الحديث تتناسل في كل الاتجاهات النفسية والقانونية والإدارية والتربوية، و تكون متلبسة بإشكالات قانونية وإدارية معقدة تحيط بكل حالة على حدة، وتتطلب وصفة فريدة مناسبة، قد لا تشبه أختها في شيء.
ورغم كل  هذا الزخم من المتغيرات الجوهرية، مازالت الوصفات والحلول المقدمة لمواجهة الظاهرة تمتح من مرجعيات جامدة، لم يطلها التغيير في استيعاب السياقات الجديدة، ولا في تجديد المفاهيم والآليات.. وهذا أمر غير مستغرب بطبيعة الحال لأن المدرسة بكليتها لم تتغير الرؤية القديمة نحوها، ولم تنخرط بمكوناتها البشرية والمنهاجية واللوجيستية في مسار التغير الشامل الذي يتحرك فيه عالم اليوم.
📌هل تكفي المذكرات الرسمية لوقف الظاهرة؟
الملاحظ في النصوص الرسمية التي ظهرت لمحاصرة ظواهر الشغب عموما ميلها لترجيح كفة المتعلم في كل سياق متوتر على حساب بقية أطر المؤسسات التعليمية، في ما يشبه إدانة مضمرة للقرارات والإجراءات التي يتخذها المدرسون والإداريون في حق المتعلم المشاغب، مما جعلها تنساق وراء تضخيم حقوق المتعلم مهما كانت تبعتها على جماعة الفصل والمؤسسة، في غياب للمعالجة المتوازنة الضامنة لحقوق للجميع.
فمازال الأصل التربوي المؤسس لحق التلميذ في التعلم وفق مقتضيات الدستور والقانون يتجسد في أحد مظاهره الواضحة في عدم حرمان أي متعلم من حصته الدراسية إلا إذا كان بقاؤه وسط جماعة الفصل سببا لعرقلة مسار الدرس، ومؤثرا حقيقيا على أجواء التحصيل فيها.. في دليل الحياة المدرسية غشت 2008: (لا يُسمح لأي مدرس بحرمان أحد تلامذته من الدرس إلا عند إحالته على إدارة المؤسسة بسبب قيامه بسلوك يؤدي إلى عرقلة السير الطبيعي للحصة، وينجز تقريرا في الموضوع يسلم للإدارة التي تتخذ الإجراءات القانونية اعتمادا على الأجهزة المعدة لهذا الغرض) ص 93
هذا المقتطف يؤسس للطريقة القانونية التي تجب مراعاتها لإخراج متعلم من حصة الدرس:
- أولا: ليس الأمر متروكا لرغبة انفعالية من المدرس..
- ثانيا: لابد أن يكون السبب مفضيا لعرقلة سير الدرس حقيقة.
- ثالثا: المدرس مطالب بتحرير تقرير يوضح فيه أسباب وملابسات اللجوء إلى قرار الطرد/ الإخراج.
- رابعا: الجهاز الإداري هو من يتولى تدبير هذه الخطوة وفق مجالس المؤسسة وقوانينها الداخلية.
قد يقول قائل: إن هذا التأطير القانوني معقد وطويل إزاء تدبير لحظة انسداد تواصلي وتوتر انفعالي تحتاج سرعة المعالجة تفاديا لضياع حق بقية المتعلمين في زمن التعلم.. ويضيف قائل ثان: هل يملك الأستاذ حينئذ من رفاهية الأعصاب وسعة الزمن ما يمكنه من هذا التدبير الهادئ والمعقلن؟
الجواب هو: إن هذه المسطرة مقصود تعقيدها لصرف الأستاذ منذ البداية عن التفكير في قرار طرد المتعلم، ودفعه إلى الاجتهاد في سلك سبل تربوية أخرى تكون بديلا أفضل لجميع الأطراف. وهي شبيهة بحالة نقطة الصفر في الامتحانات الإشهادية، حيث يطالب مصحح الورقة بتحرير تقرير خاص عن نقطة الصفر التي منحها لأحد المترشحين، لذلك يجتهد المصححون لتفادي هذه النقطة فرارا من تعقيداتها الموالية، وبذلك تمت محاصرة هذه النقطة بشكل شبه تام.
 ومن النصوص الموجهة لتفادي اللجوء إلى إخراج المتعلم:
- المذكرة الوزارية رقم 94 بتاريخ 24 يونيو 2009 التي دعت إلى اجتناب حرمان المتعلمين من حصصهم الدراسية بسبب عدم إحضارهم الكتب واللوازم المدرسية، والبحث عن حلول تربوية بديلة بدل إخراج المتعلم من الفصل..
- المذكرة 154 بتاريخ 6 شتنبر 2010 بشأن تأمين الزمن المدرسي التي نصت على ضرورة الاحتفاظ بالمتعلمين داخل المؤسسة التعليمية في حال تغيب أستاذهم..
إن أغلب المهتمين بمنظومتنا التربوية يتفهمون لجوء الوزارة إلى إصدار هذه المذكرات تحت ضغط الأرقام المهولة لظاهرة الهدر المدرسي، وتحت ضغط موجة الحقوق الفردية التي تغمر العالم كله، وتسوق لمقاربات تربوية فردانية، تقدس حق الفرد إلى مدى غريب في كثير من الأحيان.. لكن بعض التوجيهات الرسمية حركت رماد الأسئلة والإشكالات أكثر مما ساعدت على إخماد حرائق الظاهرة وأخواتها.
فقد استقبل أطر الإدارة والتربية المذكرة الوزارية 867/ 14بتاريخ 17 أكتوبر 2014 بشأن العقوبات البديلة بوابل من السخرية والاستهزاء بلغت حد تسميتها بمذكرة البستنة، لأنها اقترحت عددا من الإجراءات التأديبية الفاقدة لعنصر الملاءمة والتناسب، حيث قاربت الموضوع بكثير من الليونة والضعف القريب من العجز في مجتمع تهيمن على علاقاته مقاربات التسلط والهيمنة، مما أدى إلى تفاقم منسوب الشغب والعنف في الوسط المدرسي، وبلوغه إلى درجات مخيفة لم يسبق وجودها في المدرسة المغربية.
هي مذكرة خلطت بين العقوبة ومخففات العقوبة: لا يمكن للعقوبة أن تكون هي ترتيب الكتب في المكتبة، أو غرس الورود في المدرسة.. هذه اجراءات يحسب إنجازها للمتعلم في قائمة الإجراءات المساعدة على تخفيف العقوبة أو تعديلها.. أما العقوبة فمفهومها البسيط الواضح ملازم للزجر والتأديب والردع في كل الفلسفات والقوانين والشرائع.
لكل هذا تبدو مقاربة الموضوع بإصدار المذكرات وحدها عاجزة عن محاصرة القضية، مما يفرض علينا جميعا توسيع زوايا النظر والمعالجة لإدماج عناصر أخرى تكون مساعدة في إيجاد الحل الملائم.
📌دواعي طرد المتعلم خارج الفصل: تقسيم تربوي مساعد على الحل
في انتظار انخراط المدرسة في مشاريع تغييرية كبرى تنسجم وسياقات التربية الحديثة، ورهاناتها الجديدة، وأدواتها المتجددة، فإننا يمكن أن نقترح جملة خطوات انتقالية تساعد على المعالجة؛ من ذلك:
إعادة النظر في درجات المخالفات التي يرتكبها المتعلمون، وعدم التصدي لها بمقياس نمطي واحد:
فالناظر إلى خلفيات طرد المتعلمين من المدرسة، يمكنه أن يفيئها المخالفات إلى مجموعتين كبيرتين:
1- مخالفات عادية ومتوقعة في كل جماعة متمدرسة، كالإخلال ببعض الواجبات المدرسية..
- الغياب أو التأخر..
- عدم إحضار اللوازم المدرسية،
- الانخراط في أحاديث جانبية بين المتعلمين،
- بعض أنواع اللباس وقصات الشعر..
هذه الأسباب إذا لم تقترن بالإصرار والتعمد والتكرار المقصود فهي عادية يمكن أن يجد لها الأستاذ معالجات تربوية بسيطة في الفصل تضع حدا لها؛
2- مخالفات غير عادية: يصحبها التعمد والتحدي والاستهتار:
- ارتكاب أعمال عنف تعرض أحد أفراد الفصل للخطر،
- حيازة أو استهلاك مواد أو أشياء ممنوعة
- تعمد إلحاق الضرر بتجهيزات الفصل،
-  اعتداء على حق الجماعة في التعلم بعرقلة مجرياتها،
- إهانة الأستاذ والاخلال بالاحترام الواجب نحوه..
على أساس هذا التقسيم يمكن لإدارة المؤسسة عبر مجالسها وقوانينها الداخلية ترتيب الجزاءات المناسبة وفق تعاقدات واضحة لا محاباة ولا استثناءات فيها ضمانا لمبدإ المساواة بين المتعلمين، وحفظا لكرامة الأساتذة، وتثبيتا لأجواء السلم المدرسي الضامنة للحقوق والواجبات؛
📌طرد المتعلم بين مبالغة الأستاذ وبرود الإدارة: الميثاق الجامع:
من عناصر تعقيد الظاهرة وتمادي استفحالها ما يُلاحظ من خلاف مشهود بين الأطر الإدارية ونظيرتها التربوية في شأن معالجة الأمر.. حيث يجد الباحث اتهامات متبادلة بين الطرفين، يتبرأ فيها كل طرف من مسؤوليته، ويلقي بها على الطرف الآخر.. فبينما يشتكي الأستاذ من ضعف تفاعل الإدارة مع حالات الشغب التي تؤرقه، فيعزو تفاقمها إلى غياب رد فعل إداري حازم، كأنهم يشاهدون نوعا من محاباة المتعلمين على حساب المعاناة اليومية للأساتذة من جراء ازدياد وتواتر منسوب الوقائع المشوشة على عملهم.. فإن إدارة المؤسسة التربوية هي الأخرى تشتكي من مبالغة الأساتذة في اللجوء إلى طرد المتعلم من الفصل لأوهى الأسباب، والعجز عن إعمال المعالجات التربوية إزاء هذه الوقائع..
وكثيرا ما يتطور التناقض بين الطرفين إلى حد العبث، حين يغادر التلميذ الفصل، ومعه أيمان غليظة يحلفها الأستاذ ألا يقبله في القسم مرة أخرى، فيقابل بإصرار الإدارة على عودته فورا بمجرد حصوله على إذن شكلي باستئناف الدراسة دون بحث في النازلة البتة.. وقد يتطور الأمر إلى حد التشنج والتوتر بين الطرفين، وربما تطور ليستدعي تدخل المؤسسة الإقليمية لفض النزاع.
إن خروج أمر المخالفة من وسط جماعة الفصل إلى فضاء المؤسسة ككل، ينزع عنها طابع الخصوصية ويحولها إلى أمر تربوي عام، لا يحق للأستاذ لوحده أن يتخذ فيه قرار الإدانة أو العفو، تفاديا لإرباك المنظومة المؤسسية ككل.
فقد لاحظنا مرات كثيرة حالات يصل أمرها إلى مجالس المؤسسة وإدارتها، وتسارع هذه إلى اتخاذ إجراءات عقابية مناسبة للحد من استفحال السلك المشين، لكنها تصطدم بتراجع الأستاذ تحت ضغط تسويات عاطفية مما يخلق إرباكا يتحول إلى برود من قبل إدارة المؤسسة في معالجة هذه الظواهر مادامت تخشى تراجع الأساتذة عن مواصلة مسار العقاب في حق المتعلمين المخالفين.
 ههنا يمكن لميثاق التعاون التربوي والإداري، ولمجالس المؤسسة المختلفة أن تبين مساحات التعاون لصالح معالجة كل الظواهر السلبية بالمؤسسة التعليمية، وإعلاء المصلحة الفضلى للمتعلم فوق كل الاعتبارات الأخرى، قياما بواجب الرسالة المنوطة بأطر المؤسسات التعليمية على اختلاف مواقعهم ومهامهم.
📌التوعية القانونية والتمهير التواصلي:
مازالت التوعية القانونية بمخاطر طرد المتعلم خارج الفصل/ المؤسسة دون ما يساعد على المعالجة، رغم تطاير الأخبار بكثير من حوادث الأذى والضرر التي تعرض لها المتعلمون خلال طردهم من فضاءات التعلم.. ورغم التبعات القانونية التي تطول عددا من الأطر التربوية والإدارية بسببها.. من ذلك:
- الضرب والجرح بدرجاته المتفاوتة بسبب مشاجرات بعد إخراج التلميذ من الفصل.
- حوادث الاغتصاب والتحرش التي تتعرض لها تلميذات قاصرات بعد طردهن من الحصص الدراسية؛
- حوادث السير..
- حوادث الاختفاء..
- حوادث الانتقام من الإطار التربوي أو الإداري الذي أخرج المتعلم.. وحتى من ذويه..
- ضياع حصص دراسية كثيرة بعد طرد المتعلم قبل تسوية مشكلته مع الإدارة التربوية.
وقد قضت عدد من محاكم المملكة بتحميل المؤسسات التعليمية مسؤولية ما يتعرض له المتعلمون من حوادث بعد طردهم من حصصهم الدراسية، ورتبت جزاءات مختلفة في حق من ثبت تقصيره في هذا السياق؛
لهذا يجب أن تتولى مصالح الشؤون القانونية والتواصل بالمديريات الإقليمية أمر توعية أطر الإدارة والتربية بأبعاد هذه الظاهرة عبر عروض ولقاءات تواصلية مباشرة وتفاعلية، تستضيف فيها رجال القانون التربوي لتقديم الإحاطات القانونية والاستماع لمسوغات ومرافعات الأطر العاملة بالمؤسسة، ودوافع لجوئها إلى هذه المقاربة رغم ما يحيط بها من محاذير دون الاقتصار على مذكرات موسمية تغلب عليها لغة الأمر والوعيد.
وإلى جانب المعطى القانوني في المعالجة، لابد من انفتاح المؤسسات التعليمية على خبراء التواصل وعلماء النفس ومدربي التنمية البشرية القادرين على تقديم تحليلات وتفسيرات متكاملة لشخصية المتعلم، وكيفية امتلاك الإطار الإداري أو التربوي لمهارات ناجعة لتدبير الأزمات الصفية بشكل تربوي فعال؛
والمؤسسات التعليمية في هذا السياق معنية بشدة عبر مجالسها ونواديها وأطرها المختصة المختلفة بمدارسة القضية، وبحث أسبابها وأبعادها، وإشراك المتعلمين في مقاربة الموضوع بشمولية ونجاعة في إطار ميثاق جماعي لحماية بيئة التعلم من كل المشوشات.
📌بيئة المعالجة:
مع كل التدابير التربوية والإدارية التي يمكن اتخاذها داخل المؤسسات التعليمية، سيبقى الشغب بنسب معينة حاضرا فيها بشكل مستمر باعتبارها فضاء جماعيا تتفاعل فيه يوميا مشاعر وسلوكات وطباع وردود أفعال مختلفة.
لذلك لابد للمؤسسة التعليمية بعد ميثاقها الجماعي لتأطير بيئة التمدرس العادية، أن تضع معالم واضحة للخطة (باء)..
الخطة (باء) مضمونها إعداد وسائل التدخل بشكل جاهز دائما: يتم تجهيز فضاءات مناسبة تحول دون مغادرة التلميذ للمدرسة قبل حضور ولي أمره.. وتملأ وقت انتظاره برفقة مؤطرة قادرة على التدخل التربوي لإعادة النفسيات المتوترة إلى نصابها، وتبصير المتعلم بخطورة ما يقدم عليه من خرق لبنود القانون الداخلي للمؤسسة، واعتداء على حقوق جماعة الفصل، وتوعيته بالعقوبات التي يمكن أن تتخذ بحقه.. ويمكن ههنا تدارك أمر التوتر بترتيب وضعية اعتذار وتفاهم تحفظ للمتعلم حقه في مواصلة الدرس، وتحفظ للمدرس كرامته أمام بقية متعلميه.. هؤلاء أيضا من حقهم أن يحظوا باعتذار زميلهم عن التشويش الذي طال حقهم التعلمي.
إن تشجيع ثقافة الاعتذار داخل المؤسسات التعليمية واعتبارها قيمة فضلى يتحلى بها جميع أفراد المؤسسة أمر مفيد في توقيف مسار كثير من الظواهر السلبية بالمؤسسات التعليمية، وإعادة تنمية قيم التاحترام والتقدير المتبادل بين الجميع.
طبعا هذه البيئة المساعدة على التدخل الفوري تكون صالحة بحسب نوعية المخالفات التي يرتكبها المتعلم.. أي أنها تسعفنا في تدارك الوضع مادام أمر المخالفة مقدورا عليه داخل المؤسسة، أما إذا كان الأمر متجاوزا لحدود المعالجة الفورية بسبب جسامة خطورته، أم تعقد تشعباته، فإن المؤسسة تكون ملزمة بتفعيل رزنامة الإجراءات القانونية تفاديا للإسوإ.
📌خطاطة المعالجة:
تشجيع البحث التربوي لفهم الظاهرة ومعالجتها في سياقاتها الوطنية والمحلية؛
تدبير جماعي تعاوني في المؤسسات التعليمية لضمان أجواء السلم التربوي؛
ميثاق المؤسسة بين الأطر العاملة فيها لمحاصرة ظواهر الشغب؛
احترام القانون الداخلي للمؤسسة وممارسة الحزم في تنفيذ بنوده بلا استثناءات؛
اشتغال قانوني على الموضوع: توعية قانونية مستمرة؛
تمهير الأطر وتدريبها على التواصل البناء مع المتعلمين وتقنيات حل الأزمات داخل الفصل؛
إدماج مختصين نفسيين يضطلعون بتقديم الاستشارات لمرتفقي المؤسسة؛
ضمان استقلالية المؤسسة في اختيار العقوبات المناسبة لضمان سير الدراسة وحفاظا على حقوق مرتفقيها جميعا؛
✍ليست هذه الاقتراحات ذات قوة إجرائية مادام مشروع المدرسة المغربية غير واضح المعالم..  ففي غياب التفاف مجتمعي حول المدرسة، واستعداد تام لحمايتها، وتمكينها من كل أدوات الاشتغال التربوي الفعال، فإن المعالجات الجزئية ستظل بمثابة مسكنات الألم التي لا تستطيع استئصال الورم، بقدر ما تمنح فرصا متقطعة من السلم داخل المدرسة لمواصلة تقديم خدماتها التربوية في انتظار  حسم الأسئلة الكبرى حول المدرسة وخدماتها، ومكانتها في بلورة مشروع المجتمع المغربي بكامله.
 
*ذ. محمد شهبون
مفتش تربوي/ خنيفرة*

 

google-playkhamsatmostaqltradent