آخر الأخبار

الاعتداءات على نساء ورجال التعليم بين المتابعة القانونية للمعتدين والتنازل

 

عند كل اعتداء يتعرض له نساء ورجال التعليم داخل مؤسسات عملهم أو خارجها من طرف أولياء الأمور يتزايد منسوب الاحتقان بين مكونين أساسيين في المنظومة التعليمية، بشكل يجعل الأمر عبارة عن معركة لا بد فيها من منتصر، فتأخذ الحادثة أبعادا رمزية الخاسر فيها هو المجتمع المدرسي على اعتبار أن العلاقات بين الأسرة وهيئة التدريس وباقي الفاعلين داخل المؤسسات التربوية هي علاقة تعاون محورها التلميذ الذي يحتاج لإرساء بيئة مواكبة تساعد على نجاحه وتفوقه الدراسي.

إن ما أصبحنا نشاهده اليوم من دعوات للجوء للقضاء في قضايا عديدة تجعل المدرسة المغربية أشبه بحقل ألغام (الداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود). هذا الإحساس أصبح إحساسا عاما لدى هيئة التدريس، في حين أن الأسرة المغربية عرفت تحولات سريعة على مستوى الوعي الحقوقي والمرتبط أساسا بالحرية الكبيرة التي أصبحت تمنح للأبناء، دون مواكبة تربوية هادفة أساسها الالتزام بالحق والواجب، واحترام حرية الآخرين والتزاماتهم، وهذا الأمر في الحقيقة هو انحراف عن المسار الطبيعي للحريات تتحمل فيه الأسرة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية (المدرسة، الإعلام، المسجد...) كامل المسؤولية.

 إن هذا الانحراف وهذا الفشل في تأطير سلوكيات جيل بأكمله هو ما يجعلنا اليوم أمام حملات لتبخيس دور نساء ورجال التعليم والذين ألقيت عليهم مسؤولية فشل باقي الأطراف، هذه الحملات نتيجتها الحتمية هي ما نشاهده اليوم من اعتداءات على نساء ورجال التعليم سواء من طرف التلاميذ أنفسهم أو من طرف أولياء أمورهم.

إن هذه الاعتداءات هي في الحقيقة انفلات عن ضوابط المجتمع واحتقار لأدوار الفاعلين في المدرسة المغربية، رغم أن واقع التمدرس عن بعد الذي جاء كضرورة لجائحة كورونا أثبت جسامة الأدوار التي يقوم بها نساء ورجال التعليم داخل المجتمع .

إن تنامي ظاهرة الاعتداء على نساء ورجال التعليم يجعل البعض يطالب بمعاقبة المعتدين وعدم التنازل لهم خلال مراحل التقاضي من أجل أن تكون العقوبات رادعة وبالتالي يمكن القضاء على الظاهرة من خلال المقاربة القانونية التي تعتمد على الزجر، فما لا يعلمه البعض أن نساء ورجال التعليم رأس مالهم ومجال استثمارهم هي الأخلاق والكرم والتسامح، باعتبارهم المسؤولين عن تمرير هاته القيم للمجتمع، لذلك تجدهم خلال مراحل التقاضي ورغم ألمهم العميق والجروح التي سببته الاعتداءات يفكرون في أطفال المعتدي ووضعيتهم النفسية والاجتماعية بعد اعتقال أمهم أو أبيهم ومدى انعكاس فعل الاعتقال على نفسية الأبناء ومستقبلهم، لذلك تجدهم يتنازلون في أقرب فرصة ممكنة عتقا لمشاعر أطفال المعتدين وعائلاهم، إن هذا التنازل ليس ضعفا كما يراه البعض لكنه قوة خارقة يواجه بها نساء ورجال التعليم مجتمعا جاحدا نجحت سياسات التبخيس لأدوارهم في تحويل الصراع من صراع عمودي موجه للسياسات العمومية في مجال التعليم إلى صراع أفقي تخوضه الأسرة ضد هيئة التدريس .

إن هاته الظاهرة تحتاج إلى مقاربة جديدة موازية للمقاربة القانونية الزجرية وذلك من خلال رد الاعتبار لمكانة الأستاذ(ة) داخل المجتمع وإعادة وضعه الاعتباري كما كان سابقا، وتحسين وضعيته الاجتماعية، والتحسيس بأدواره داخل المجتمع انطلاقا من الإعلام مرورا بالمناهج الدراسية.

نورالدين بن داود

ليست هناك تعليقات