آخر الأخبار

الأسرة والنموذج التنموي الجديد

 

مقال للأستاذ رشيد تسيردي (1) بتاريخ 30 ماي 2021.

مقدمة: 

تعد الأسرة الفضاء التربوي الطبيعي الأول في مسار تنشئة الطفل، والخلية الأساسية للمجتمع البشري، والمجال الاجتماعي الخصب لتمرير القيم والمبادئ وبناء صرح الحضارة، وهي منظومة تربوية أساسية لا يجب استثناؤها من أي بناء رسمي للمنظومة التربوية للدولة.

ولعل خطاب جلالة الملك كان واضحا في هذا الصدد في الإشارة الى دورها الحاسم في إصلاح منظومة التربية والتعليم، "فإصلاح التعليم هو قضية المجتمع بمختلف مكوناته، من قطاعات حكومية وجماعات ترابية ومجالس استشارية ومؤسسات وطنية وفاعلين جمعويين ومثقفين ومفكرين، دون إغفال الدور المركزي والحاسم للأسرة في التربية المبكرة للأطفال، ومتابعة مسارهم الدراسي وتقويمه" (2). ولعل الاسرة كمركز ثقل اجتماعي مهم وأساسي، هو حتما ينتج ويستقبل ويتفاعل مع نماذج تنموية مؤسساتية واجتماعية وثقافية.

المفهوم:

لوضع مصطلح الأسرة في سياقه الصحيح، سنعطي بعض التعاريف لهذا المفهوم، فالأسرة دستوريا "هي الخلية الأولى للمجتمع، وتعمل الدولة على ضمان الحماية، الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية لها، بمقتضى القانون، بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها"، (3) في ما يعرف تالكوت بارسونز الأسرة )عالم اجتماع أمريكي، 1902-1979)، "بأنها نسق اجتماعي لأنها هي التي تربط البناء الاجتماعي بالشخصية، فالقيم والأدوار عناصر اجتماعية تنظم العلاقات داخل البناء، وتؤكد هذه العناصر علاقة التداخل والتفاعل بين الشخصية والبناء الاجتماعي" (4)، في ما يرى" أوغست كونت" )عالم اجتماع وفيلسوف اجتماعي فرنسي، 1798-1857)، "أن الأسرة هي الخلية الأولى في جسم المجتمع، وأنها النقطة الأولى التي يبدأ منها التطور وأنها الوسط الطبيعي الاجتماعي الذي ترعرع فيه الفرد"(5).

الإشكالية:

إن عبور هذا الجسر )من الأسرة إلى المدرسة (محفوف بشتى أنواع المخاطر النفسية وعقبات التأقلم والتطور مع فضاء المدرسة، وباعتبار مرحلة التعليم الأساسي مرحلة مفصلية في مستقبل التلميذ، فإن مأسسة العلاقة بين الأسرة والمدرسة أصبحت ضرورة حتمية لمصاحبة التلميذ إلى الانتقال إلى الفضاءات التربوية الأخرى في إطار عملية تدبير المخاطر الممكنة جراء ذلك.

وبناء على ذلك، هل أخد النموذج التنموي الجديد بعين الاعتبار مؤسسة الأسرة في عملية إصلاح منظومة التربية والتعليم؟

التحليل:

إن الحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية، هي صلب فلسفة تعديل أو تغيير أي نموذج تنموي، فالخطاب الملكي باعتباره مصدرا أساسيا من مصادر السياسات العمومية، أكد ضرورة وضع تصور جديد يراعي التطورات ويستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية، حيث يقول جلالة الملك: "إذا كان المغرب قد حقق تقدما ملموسا، يشهد به العالم، إلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم، غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية"(6).

وعلى هذا الأساس، أصدرت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، التي عينها جلالة الملك يوم 21 دجنبر 2019 برئاسة السيد شكيب بنموسى، تقريرها العام الشهر المنصرم تحت عنوان: "النموذج التنموي الجديد، تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع" (7)، والذي تضمن قسمين رئيسين.

ويتضمن القسم الأول تشخيصا حول الوضعية الراهنة من تمثلات جماعية ومعيقات تحول دون التغيير، إضافة الى تصورات وانتظارات وتطلعات المغاربة في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فيما اختص القسم الثاني بتقديم الطموح المنشود بمرجعية جديدة للتنمية وتوجه تنظيمي جديد، والذي يرتكز على قاعدة "دولة قوية مع مجتمع قوي" تعبئ فيه كافة القوى والفاعلين ضمن توازن يخلق المزيد من فرص التقدم في إطار من الثقة والمسؤولية. وقدم أيضا هذا القسم المحاور الأربع الاستراتيجية للتحول والتي تتلخص في تطوير الاقتصاد وتعزيز الرأسمال البشري والمشاركة الجماعية للمواطنين في المجهود التنموي إضافة الى الانتقال بالمجالات الترابية إلى فاعل رئيسي في السياسات العمومية عوض اعتبارها مجرد وعاء لتفعيلها.

وبخصوص الاختيار الاستراتيجي الأول المتعلق بالمحور الثاني من المحاور الإستراتيجية للتحول في النموذج التنموي الجديد، والذي يطمح الى إلى إحداث نهضة حقيقية للمنظومة التربوية، وتجاوز الأزمة الثلاثية الأبعاد التي يعيشها النظام التربوي المغربي والمتمثلة حسب هذا التقرير في أزمة جودة التعلمات (عدم إتقان أغلبية التلاميذ للمهارات الأساسية في القراءة والحساب واللغات، في نهاية مسارهم الدراسي)؛ وأزمة ثقة المغاربة إزاء المؤسسة التربوية وهيئتها التعليمية؛ وأزمة في مكانة المدرسة التي لم تعد تلعب دورها في الارتقاء الاجتماعي وتشجيع تكافؤ الفرص، فتقترح اللجنة تسريع دينامية التغيير عبر أربع رافعات قصد الارتقاء بجودة نظامنا التربوي والتكويني بشكل جوهري، تتمثل الأولى في الاستثمار في تكوين وتحفيز المدرسين قصد جعلهم الضامنين لنجاح التعلمات، أما الثانية فتتمثل في إعادة تنظيم المسار الدراسي ونظام التقييم لضمان نجاح كل متعلم فيما اختصت الثالثة بتجديد المحتويات والمناهج البيداغوجية لتعليم فعال ومحفز أما الرافعة الرابعة فهي جعل المؤسسات تتحمل مسؤولياتها لكي تصبح محركا للتغيير ولتعبئة الفاعلين.

ويتضح من هذه الرافعات غياب رؤية واضحة حول مأسسة دور الأسرة داخل المنظومة التربوية وجعله إلزاميا من حيث الاندماج في النظام التفاعلي التربوي بين المؤسسات الثلاث: الأسرة، المدرس، والإدارة. فمن أجل تجويد العملية التربوية والتعليمية، وجب الاستعانة بالأسرة في جميع المراحل، مما يستوجب معه مأسسة الشراكة التربوية بين الأسرة والمدرسة، مع اختلاف طبيعة هذه الشراكة حسب كل مرحلة تربوية تعليمية على حدة. وعلى هذا الأساس سجل غياب مؤسسة الأسرة بهذا النموذج، كفاعل أساسي داخل المنظومة التربوية إلى جانب المدرس والإدارة، إما بطريقة مباشرة أو عبر وسيط كجمعية أمهات وآباء التلاميذ أو المساعدين الاجتماعيين، عبر برنامج طموح للتأهيل الأسري قصد توعية الأسر بضرورة الاتصال والتواصل والتفاعل بشكل مستمر مع باقي أطراف المنظومة التربوية، بل أكثر من هذا، يجب ألا تخضع هذه العملية لإرادة الأسرة، بل يجب أن تكون إلزامية ومندمجة بشكل رسمي بالمنظومة التربوية، لتسهيل عملية إدماج الأطفال بطريقة سلسة داخلها، تجنبا للظواهر السلبية الممكنة كالهدر المدرسي والفشل الدراسي.

نستنتج مما سبق أن الأسرة كمؤسسة طبيعية ودستورية واجتماعية لا يمكن أن تكون بمنئى عن التصور الشامل للنموذج التنموي التربوي التعليمي، لهذا يجب التفكير جليا حول الاجراءات العملية والمقاربات النظرية من أجل ادماج كلي لها داخل هذه المنظومة التربوية، قصد الارتقاء أكثر بجودة المنظومة التربوية.

هوامش:

1)   طالب باحث بسلك ماستر القانون الدستوري بجامعة ابن زهر.

2)   مقتطف من الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في: "اليوم الوطني حول التعليم الأولي"، المنظم يوم الأربعاء 18 يوليوز 2018، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. https://www.maroc.ma/ar

3)   دستور المملكة المغربية، الفصل 32.

4)   فرج محمد سعيد: البناء الاجتماعي والشخصية، الهيئة العامة للكتاب، الإسكندرية، 1980، ص: 246.

5)   شبل بدران: التربية والمجتمع (رؤية نقدية في المفاهيم، القضايا، المشكلات)، دار المعرفة الجامعية، الأزاريطة، الإسكندرية، 2009، ص: 104.

6)   مقتطف من خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة – 13 أكتوبر 2017.

7)   النموذج التنموي الجديد للمغرب، منشورات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي 2021. https://www.csmd.ma/


هناك تعليق واحد: