آخر الأخبار

التعدد اللغوي Le multilinguisme

 

التــعــدد الـــلــــغوي

            

تقــــديـــم

 حينما تختفي ملامح التجربة اللغوية الفردية من المجتمع لسبب من الأسباب ،وتندفع تجارب لغوية أخرى باسطة يديها لكل مهتم ، أو منشق ، أو ملهم ، أو منبهر...وحينما تطفو لغات جديدة ظلت مغبونة لسنوات طوال لافتة الأنظار إليها على الرغم من ضعفها و قلة تداولها...و حينما تفد لغات سياسات حاكمة على مجتمعات معينة باسطة يديها و معلنة ولاءها للثقافات المتواجدة من أجل التبادل و التشارك والتحاور...وحينما نقتنع بضرورة خلق تعدد لغوي في المجتمعات النامية لأجل التوازن و الانفتاح والتواصل... وحينما ندرك أن المعرفة اللغوية أساس بناء العقول و تهذيبها، و تنظيم المجتمعات و رقيها ..،كل هذا يشعرنا بمدى جدية مقترح التعدد اللغوي ومحاولة فرضه بيسر و تسلسل في نظام التعليم ، و في الحياة اليومية ، و في الثقافة...رغم التحديات التي تواجهها المجتمعات على مستوى كثرة الأمية ، و جهل بعض الناس بدروب التسلق من أجل التعلم ، و تأفف آخرين مما يفد عليهم ظنا منهم بخطر يحذق بهم لتغييب لغتهم الأم أو لهجتهم...

فما معنى التعدد اللغوي ؟ و ما الفرق التفريق بين الأحادية اللغوية ، الثنائية اللغوية، الازدواجية اللغوية والتعدد اللغوي و هل هناك علاقة بين التعدد اللغوي و التنوع الثقافي؟

مفهوم التعدد اللغوي

مفهوم مرتبط بالنظام اللغوي الذي يحكم العالم ، أو بالأحرى الجزء الجغرافي من الكون الذي يتحرك فيه هذا النظام و يبسط هيمنته فيه. ذلك فالتعدد اللغوي ليس بالضرورة الحديث بلغات متعددة أو امتلاك لسان متعدد ، وإنما هو؛ حسب علمي؛ التعرف على أنظمة لغوية متعددة قد لا تكون بالمستوى نفسه، و لا القيمة نفسها ولا درجة الاتقان نفسها... ولكنها القدرة على التواصل والتحاور و الفهم و القراءة و الكتابة... و الذي يحرك القدرة و يجعلها فعالة و مثمرة هو التعلم و التعرف و الرغبة...و غيرها من المستويات التي تسهم في تحقيق التناغم بين اللغات التي يتوسل بها إلى الانفتاح على تجارب الآخرين و معارفهم و طبيعة مجتمعاتهم... فالنظام اللغوي إذا شيء مركزي: حيث ينبغي التفريق بين اللغات التي لا تمتلك نظاما على مستوى الكتابة ،و اللغات التي بحوزتها هذا النظام، فالفرق شاسع بينها: لأن الأولى تتدرج في الانقراض، فلا شيء يسعفها و يقوي شأنها فهي هالكة لا محالة بهلاك من يروج لها، بينما الثانية فماضية في علوها و رفعتها و بسط قوتها بين مثيلاتها لامتلاكها نظاما لغويا معينا تتحرك فيه و وفقه. و هي تسعى من خلاله خلق تقابلات صواتية، وانسجام أصواتي، و تحديد سمات دلالية وخصائص مميزة...تقيمها بين مختلف اللغات الطبيعية ذات الأنظمة المشتركة أو التي تجمعها، على الأقل بعض الخصيصات المشتركة.

و ينبغي التنبيه في هذا الإطار إلى ضرورة التفريق بين الأحادية اللغوية و الثنائية اللغوية والازدواجية اللغوية والتعدد اللغوي:

 أ- الأحادية اللغوية

هي الاقتصار على لغة واحدة على مستوى التخاطب و القراءة ...فهل دول العالم؛ بعدما تشبعت شعوبها بمختلف اللغات الوافدة عليها؛ تنحو نحو ترسيخ الأحادية اللغوية في سياساتها الحالية؟ سؤال مهم ، و لكنه يندرج ضمن ترسيم اللغة الوطنية، و ليس إلى إبعاد اللغات الأخرى من محيطها وثقافتها. و هو فرق شاسع بين أن تكون اللغة الوطنية الرسمية للبلاد لغة واحدة ، وبين خلق تعدد لغوي رسمي للبلاد. لأن هذا العمل الدستوري قد يخلق متاعب و مشاكل وخلط و سوء تدبير... على مستوى الادارة و المؤسسات العمومية و الشبه عمومية والخاصةوالشركات... وعوض التركيز على لغة رسمية واحدة لحل مشاكل الناس و تدبيرشؤونهم، يحصل شتات وتشرذم و انقسام...

فالأحادية اللغوية هي خلق فضاء رسمي وطني واحد على مستوى التخاطب و التعامل و بناء الهوية و الوحدة الإدارية والثقافية...مع الانفتاح على فضاءات لغوية أخرى في خطوة ثانية نحو ربط العلاقات والشراكات والاتفاقات...علما أن بعض الدول تعترف بأكثر من لغة رسمية داخل وطنها. فالهند على سبيل المثال يعترف دستورها بإحدى وعشرين لغة، علما أن لكل إقليم اتحادي او ولاية لغاته الرسمية. بينما اللهجات فحدث و لا حرج، حيث يصل عددها إلى اثنتين و خمسين و ستمائة و ألف لهجة.

و قد تكون كثرة اللغات الرسمية في البلاد سببا في كثير من المشاكل التي تعيشها الساكنة، بخلاف الصين مثلا التي تتوفر على أكبر ساكنة في العالم ما تقديره مليار و أربعة ملايين، و مع ذلك فلها لغة رسمية واحدة هي الهان أو ما يسمى محليا ب(زونغ ون): حيث الهان هي إحدى أكبر القوميات التي يتكون منها الشعب الصيني والتي تغطي 92% منه، على الرغم من وجود 56 قومية أخرى. وهذا وحده أعطى الصين احتلال المرتبة الأولى في العالم من حيث عدد الناطقين بهذه اللغة. (يمكن الاطلاع لمزيد من التفصيل على: وكيبيديا الموسوعة الحرة بخصوص الصين). و هي اليوم تسير بخطى ثابتة و سريعة نحو التألق على جميع الأصعدة.

ب- الثنائية اللغوية:

هي تعلم لغة ثانية تنضاف إلى اللغة الأم. و هنا نطرح بعض الأسئلة من قبيل: متى ينبغي تعلم هذه اللغة؟ و هل تعلمها يكون بالمستوى نفسه الذي تحتله اللغة المحلية الرسمية؟ كيف ننظر إلى الشخص ثنائي اللغة؟ هل مفهوم الثنائية يرفع المتعلم إلى تحقيق التكافؤ بين اللغتين معا أم أنه يدرج الترجمة ضمن برنامجه التعليمي لتحقيق الثنائية؟

ج- الازدواجية اللغوية

 هي المزاوجة بين الفصحى و العامية ، و هو سلوك نلاحظه و نطبقه في حياتنا اليومية دون أن نشعر بما قد يحدق بنا من مخاطر تحوم حول لغتنا العربية التي أصبح تعلمها يستعصي على الأطفال و لا يؤدي إلى نتائج مفرحة. فالازدواجية اللغوية تعبير عن تبسيط و تخفيض للغة المعيار، و هي في الوقت نفسه رابط قوي بين الإنسان و المجتمع الذي يحيا فيه و يعيش متنقلا بين مختلف محطاته. و يصعب إذا ما أردنا اقتلاع العامية من مجتمعاتنا أن نوفر لعشائرنا منطقا لغويا حميميا و معبرا مثيلا للعامية. فهذا ما نشعر به، و نتمنى أن يختفي من مجتمعاتنا كي نمنح للعربية فرصا أكبر لتسطع من جديد كما كانت في القديم. و هو أمر محير أن تجد المتعلم أو المثقف...لا يستطيع تفتيت جذور العامية من كلامه، و تجده يزاوج بينها و بين الفصحى في كلامه و تفسيراته الأكاديمية و تدريسه و أمام اللجان العلمية المتخصصة و في المجمعات و الدوائر و مكاتب التنسيق...بل و حتى في كثير من الكتابات تجد بعض الخبراء من يضع بين قوسين كلاما توضيحيا من العامية لكلمة أو عبارة. فهل يصعب تجاوز العامية إلى هذا الحد؟

إن أمر العامية قد يسهل التغلب عليه إذا توفرت الإرادة و الظروف الملائمة و تحفيز المتعلمين على استخدام العربية في كثير من المحطات: في القسم و الإدارة و الإذاعة...إلا أنه في المغرب كما في دول أخرى مجاورة تتزاوج العامية مع الأمازيغية في مرحلة مبكرة لدى الطفل مما يضعف من إمكانية تفصيح العربية و النهوض بها كي تصبح لغة الولادة الوحيدة. و هذا راجع إلى مختلف البرامج المعدة في هذا الصدد ، و المرتبطة بالتعليم والتعلم،حيث إمكانية بعث الفصحى. و من هذه البرامج برنامج الانغماس المبكر: و هو برنامج يهدف إلى الانغماس في تعلم اللغة الثانية في سن مبكرة من أجل تجاوز كثير من معيقات التمركزات اللغوية الغير مقبولة كما هو الشأن بالنسبة لمنطقة الكبيك الكندية التي يتحدث أبناؤها الفرنسية و هم غير (راضين على نتائج تعلم أبنائهم للفرنسية، اللغة الثانية، بالطرق التقليدية. لذا لجأوا إلى برنامج الانغماس،الذي يهدف إلى استغلال قدرات الأطفال على تعلم اللغات، و انفتاحهم و إقبالهم غير المتعمد الذي يماثل جو اكتساب اللغة الأولى، دون أن يعيق نموهم في مجالات أخرى. فيتعلم الأطفال اللغة الفرنسية و يلجأون إلى التخاطب بها في المدرسة ، ثم يوظفون اللغة الإنجليزية في البيت. و قد أعطت هذه التجربة النتائج المرجوة لوجود الحافز القوي ، و الاستعدادات النفسية و الانفتاح المعهود في هذه المرحلة، رغم ما وجه إليها من انتقاد)أبحاث لسانية؛ المجلد4؛1999 ؛ ص.30.

و قد تابع كاتب مقالة :اكتساب اللغة العربية و التعلم اللغوي المتعدد :(و يمكن تعميم هذه التقنية على تعليم اللغة العربية لتجاوز مشكل الازدواجية في سن مبكر، و تلافيا للاضطراب الذي يحدث في بيئة التعلم نتيجة التردد بين العامية و الفصيحة، في برامج التعليم، و عند المعلم أو المتعلم. و يمكن هذا التصور أيضا من تجاوز مشكل التزايد في حصص تدريس اللغة، علاوة على إمكان توظيف الوقت الموفر في تعلم لغات و مهارات أخرى)م.ن.؛ص.30-31.

القيم الاجتماعية و الثقافية للتعدد اللغوي

الحديث عن القيم هو حديث صعب لأن البعض قد يظن أن المجتمع الإسلامي مجتمع له قيمه الخاصة ،و غير محتاج بأي حال من الأحوال إلى قيم الغير. إلا أن الأمر يتغير وفق منظومة القيم نفسها حينما يتعلق الأمر باللغة، لأنها المفتاح الذي يجعلنا نطلع على تجارب الغير و معتقداتهم وطبائعهم و بالتالي التعرف على قيمهم و مبادئهم من خلال إبداعاتهم في مجالات متعددة. و قديما قيل: تعلم لغة الغير خير من جهلها، لأنها تمنحنا الثقة و الأمان وبالتالي التعرف على الطرف الآخر و ما يحمل في جعبته من أفكار و قيم. فالذي له لغة واحدة إنسان بسيط قد لا يدرك التنوع أو قيمة التنوع البشري الذي خلقه الله تعالى لحكمة ارتضاها. فقد كان بالإمكان خلق بيولوجية بشرية واحدة عوض بيولوجيات متنوعة ومختلفة، و لكنها إرادة الله العليم الخبير الذي أحكم كل شيء خلقه بعناية ولطف فسبحان الله الوهاب.

ففي بحث لكوك عن آثار اللغة الثانية في الأولى أكد الباحث أن(الذي يحمل و يعرف أكثر من لغة له فكر مختلف عن الذي يعرف لغة واحدة، لأن الذي يعرف لغتين تتغير طريقة استعماله للغته الأولى و كذا طريقة تفكيره).

Effects of the second language on the first, multilingual matters ;1003.

فمجرد امتلاك لغة أخرى تبدأ بوادر التغيير تطرأ على المالك سواء على مستوى الاستعمال :استعماله للغته الأم، أو طريقة تفكيره: لأن من شأن كثرة الأنظمة اللغوية أن تهبه قدرات إضافية ، و تبلور رؤيته للأشياء و تزيينه لها. و هذه إحدى القيم الهامة التي يستشعرها الإنسان متعدد اللغة : قيمة التميز. على أن هناك قيما أخرى نعرضها على النحو التالي:

  1- التعدد اللغوي و التنوع الثقافي

 تعتبر اللغة ناقلة للمعرفة في كل العصور و الأزمنة: فكم من علوم تم التعرف عليها عن طريق الترجمة فأفادت الأمم أفرادا و جماعات، وكم من الشؤون تم قضاؤها عن طريق المعرفة الحقة للغة الغير فأبلت البلاء الحسن، وكم من تجارب الغير قوبلت بالرضى و الانبهار فأدت ما عليها دون ضرر أو مس بالقيم، و كم من إفادة قوت عقول الناس و قلوبهم و كثيرا من شؤون حياتهم تم استقبالها من مجتمعات لسنية مختلفة...إنه حقل من التجارب، و رياض من الزهور، و علامات متنوعة من القيم والطاقات و الألوان...فالمجتمعات لا تحيا و لا يمكنها أن تستمر في حياة هادئة ومثمرة دونما استقبال إشارات التنوع الثقافي الزاهية من الغير، و أن هذا لن يجدي نفعا طالما لم نتعرف على ثقافتنا و هويتنا و أنفسنا كما يجب. فهذه سوزان بليس قد أنجزت بحثا مستفيضا سنة 2008 تحدثت فيه عن الهوية و التنوع الثقافي ،حيث كان مناسبة لإبراز أهداف هذا الطرح الذي يرمي إلى أمور ثلاثة: أ- فهم الذات ، و ب- فهم ثقافة الذات، و ج- فهم الانفتاح على ثقافة الغير:(إن فهم و تقييم أنفسنا هي أول خطوة نحو تقييم الآخر، إذا تكون لدينا معنى إيجابي عن الذات ، فإن هذا يسمح لنا أن نكون أكثر انفتاحا و مقبولية للتنوع. وعن طريق استكشاف هويتنا الخاصة و تنوعنا الثقافي، فإن الطلبة يتعلمون كيف يتصلون بهويتهم الثقافية وإرثهم مع هوية و إرث الآخرين في مختلف الأوقات و الأماكن)

Identity and cultural diversity a global education learning emphases ; susan bliss ; 2008 ; p.ç.

كما أن ندوة اليونيسكو قد اتخذت موقفا منذ بداية القرن الحالي ،أكدت فيه في المادة 1 من الإعلان الكلي الذي يخص التنوع الثقافي أن (التنوع الثقافي ضروري للبشرية مثل التنوع البيولوجي فهو ضروري للطبيعة)

Unisco universal declaration on cultural diversity; retrieved 24; 2012.

زد على هذا ما قد يسببه الانغلاق على لغة واحدة من تدمير للذات و الهوية و اللغة ، هذه الأخيرة قد تعرف بعض الإخفاق من خلال بحث نفذه دفيد كريسطال أستاذ اللسانيات بجامعة وولز بانكور الذي اقترح أنه(في الوقت الراهن يتم موت أو إخفاق لغة واحدة في المتوسط كل أسبوعين. مشيرا إلى أنه إذا ما استمر موت اللغات بهذه الوتيرة فإنه يتوقع موت 90% من اللغات المتحدث بها حاليا في أفق 2100.)

David crystal; language death; Cambridge universitypress; 2000.

فكل هذه الإفادات تصب في قالب واحد وتتفق على موقف مماثل و تدعو إلى طريق لا مفر منه و هو خلق فضاء ملائم و مناسب للتنوع الثقافي داخل المجتمعات، نكون من خلاله قد فهمنا ذواتنا و تعرفنا علىهوياتنا و أغلقنا باب تدمير لغاتنا و تأكدنا أن لا محالة من إقرار هذا التنوعالثقافي لأنه يشكل بالنسبة لنا أرضية خصبة لحياة حقيقية نتنفسها و نتوق إليها. ويكفي هنا أن ننبه إلى أن هذا التنوع قد لا يجدي في مجتمعات ما زال مثقفوها وأغلب باحثيها يفكرون في توفير لقمة العيش اليومية و يعانون من التهميش و فرض الذات... وما زالت هذه المجتمعات نفسها تعاني من نقص كبير على مستويات عدة : صناعية وتكنولوجية و تجارية و اقتصادية وسياسية... مما لا يسمح بهذا التنوع الذي يبقى حلما يتسلقه المثقف و الحرفي و التاجر...

خاتــــمـــة :

إن موضوع التعدد اللغوي موضوع شائك ومتنوع يحتاج إلى طرق كثير من المجالات المعرفية المرتبطة به من أجل الوقوف على أهدافه و سبل تطبيقه داخل المجتمعات من قبيل: اللسانيات، و علم النفس اللغوي، واللسانيات الاجتماعية ، و علوم التربية ، و ديداكتيك اللغات...حتى ندرك الكيفية التي يتم بها الربط بين تعليم و تعلم اللغات ومدى الاستفادة من تعدد لغوي في مجالات متعددة تجلب التوازن و الانفتاح و الابتكار...

الــمـــراجــــع :

-         Effects of the second language on the first, multilingual matters ;1003.

-         Identity and cultural diversity a global education learning emphases ; susan bliss ; 2008 ; p.ç.

-         Unisco universal declaration on cultural diversity; retrieved 24; 2012.

-         David crystal; language death; Cambridge universitypress; 2000.

أبحاث لسانية؛ المجلد4؛1999 ؛ ص.30.

ليست هناك تعليقات